تونس

تعيش تونس منذ أيام على وقع تحركات احتجاجية متتالية يقودها خاصة العمال الذين تضررت موارد رزقهم جراء جائحة كورونا والمعطلون عن العمل ممن سئموا الوعود المتكررة لحكومات ما بعد الثورة، وفي هذا الصدد ذكر الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر منظمة نقابية بالبلاد، أنه خلال فترة الحجر الصحي فقد ما يزيد عن 600 ألف عامل وظائفهم بسبب أزمة كورونا، ينتمي معظمهم إلى فئة العمال غير المتعاقدين وأصحاب الدخل بالأجرة اليومية، على غرار صغار الفلاحين والتجار والعاملين في القطاع السياحي ممن توقفت أشغالهم بسبب غلق النزل والفنادق والمطاعم والمقاهي.

وتقر المنظمة الشغيلة بوجود انتهاكات لحقوق العمال خلال فترة الحجر الصحي بشكل يخرق الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة واتحاد الشغل والقاضية بتمكين المؤسسات الاقتصادية من تقديم مساعدات مالية للخروج من الأزمة شريطة محافظتها على اليد العاملة، وهو ما لم يحدث على صعيد الواقع نتيجة تسريح العديد من الشركات لعمالها المتعاقدين، ناهيك عن فقدان المئات لمواطن شغلهم بعد فرض حظر التجوال.

كما تستهجن قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل المنشور الحكومي الصادر مؤخرا والقاضي بوقف الانتدابات في السنة المقبلة وإتباع سياسات تقشفية تهم العاملين في الوظيفة العمومية والقطاع العام، واعدة بالوقوف في وجه أي قرارات تمس من حقوق منظوريها سواء في القطاع العام أو الخاص.

وكان رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ قد أصدر نهاية الأسبوع المنقضي منشورا حكوميا يتضمن التوجهات الكبرى لميزانية الدولة لسنة 2021، وُجّه إلى أعضاء الحكومة ورؤساء الهيئات الدستورية المستقلة والمحافظين ورؤساء البرامج العمومية.

وتضمن المنشور توصيات للحد من الإنفاق العمومي، أبرزها غلق باب الانتدابات لسنة 2021 مع استثناء بعض الاختصاصات ذات الأولوية الملحة، فضلا عن إرجاء إنجاز برامج جديدة للتكوين بهدف الانتداب لسنة 2022، والتحكم في كتلة الأجور والنزول بها إلى نسب معقولة، وتأجيل الترقيات، وعدم خلاص الساعات الإضافية باستثناء وزارتي الدفاع والداخلية ورئاسة الجمهورية.

وتفعيلا لمضامين هذا المنشور، وجهت وزارة المالية منشورا إلى جميع الوزارات تضمن توصيات بالتشدد في منح الإنتاج وإرجاء الترقيات بعنوان 2020، والحد من الساعات الإضافية إلى جانب عدم إبرام أي اتفاق مالي جديد.

منشور مجحف

تداعيات أزمة كورونا التي لم تجابه بحلول منصفة وفقا لكثيرين، والإجراءات التقشفية التي تضمنها المنشور الحكومي، أثارت حفيظة العديد من التونسيين وخاصة منهم المنتمون إلى الفئات الهشة، من عمال الحضائر وأصحاب الشهادات العلمية المعطلين عن العمل وأصحاب المؤسسات الصغرى والمهن الحرة ممن بدؤوا في حشد صفوفهم لقيادة تحركات احتجاجية المطلب الأساسي فيها هو الحفاظ على حقوق العمال وفتح باب الانتداب وتسوية الملفات العالقة.

وفي هذا الصدد قال عضو المكتب التنفيذي لأصحاب الشهادات المعطلين عن العمل حسيب العبيدي لـ "سبوتنيك"، إن أزمة كورونا فتحت أبواب الأمل للمعطلين عن العمل ممن وصلوا إلى مرحلة العوز والخصاصة للالتفاف إليهم وتفعيل مبادرة التشغيل حول من طالت بطالتهم وتشغيل فرد من كل عائلة وفتح باب الانتدابات في اختصاصات معطلة منذ قرابة العقد، قبل أن تصطدم آمالهم بالمنشور الحكومي القاضي بتجميد الانتدابات لسنتين إضافيتين.

وأكد العبيدي رفض أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل المطلق لهذا "المنشور المجحف" الذي يعتبره مواصلة في المس من حقوق المعطلين عن العمل وضربا في العمق لحق التشغيل.

وأضاف "دعونا منظورينا وكل المعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات للتعبئة من أجل الاحتجاج والنزول إلى الشارع في تحرك وطني يكون المطلب الأساسي فيه هو فتح الانتداب في الوظيفة العمومية والقطاع العام والوقوف ضد هذه المظلمة المسلطة عليهم منذ سنوات".

وأشار المتحدث أن هذه التحركات تأتي كرد فعل على تجاهل السلطات الحكومية لمطالبهم المتكررة خاصة خلال فترة الحجر الصحي التي لم يتمتعوا فيها حتى بمنحة اجتماعية على غرار بقية الفئات الهشة، مضيفا أن الحكومة تجاهلت نداءاتهم المتكررة بإقرار منح استثنائية للمعطلين عن العمل وبفتح باب الانتداب في بعض القطاعات الاستثنائية التي كشف وباء كورونا عن نقص فادح في أعوانها وخاصة منها قطاع الصحة.

واستنكر محدثنا تواصل تعيينات المستشارين على مستوى رئاسة الحكومة في هذا الظرف الاستثنائي في وقت اعتبرت فيه الحكومة أن الموازنة المالية المتضررة من أزمة كورونا لا تسمح بفتح باب الانتدابات.

وتبلغ نسبة البطالة في تونس 15.4 بالمائة وفقا للإحصاءات الرسمية أي ما يعادل 700 ألف عاطل عن العمل بينهم 300 ألف من حاملي الشهادات الجامعية، في حين أن أرقاما أخرى تتحدث عن وجود ما يزيد عن مليون عاطل عن العمل، بالنظر إلى اعتماد تونس سياسة التسجيل الاختياري في مكاتب التشغيل، ما يعني وجود المئات من فاقدي الشغل خارج التصنيفات الرسمية نتيجة غياب مكاتب التشغيل في بعض المناطق وخاصة منها الريفية، وضعف الإمكانيات المادية التي تحول دون تمكن البعض من التسجيل فيها.

تحركات تصعيدية

إلى ذلك، يخوض عمال حضائر ما بعد الثورة تحركات احتجاجية انطلقت منذ 18 من أيار الجاري في محافظة تطاوين ومنطقة بني خداش التابعة لمحافظة مدنين جنوبي البلاد وجهات أخرى، على أن تعقب بسلسلة من التحركات التصعيدية بداية من يوم الثلاثاء 2 حزيران 2020 في شكل تحرك وطني سيشمل جميع الجهات.

ويأتي هذا التصعيد كرد على المنشور عدد 16 القاضي بوقف الانتدابات وللمطالبة بالتسريع في إنهاء معاناة سنوات من التشغيل الهش وتفعيل الاتفاق المبرم سابقا بين اتحاد الشغل والحكومة بتاريخ في 28 كانون الأول 2019 والقاضي بالانتداب النهائي لعمال حضائر ما بعد 2010.

واعتبر عضو مجمع تنسيقيات عمال حضائر ما بعد الثورة جمال الزموري في تصريح لـ"سبوتنيك" أن "هذا التصعيد هو رد فعل طبيعي على استثناء عمال الحضائر من المساعدات الاجتماعية بالرغم من الدور الريادي الذي اضطلعوا به في مختلف المؤسسات وتطوعهم في مجابهة أزمة كورونا، ناهيك عن تخلي الحكومة عن التزاماتها مع المنظمة الشغيلة بإقرار تعليق الانتداب في الوظيفة العمومية والقطاع العام".

وأضاف الزموري أن الجلسة التي عقدت أول أمس بين رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ والأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي بغرض تسوية الملفات الاستثنائية لم تفضِ إلى حلول جذرية تنهي معاناتهم، معتبرا أن المقترحات التي تقدمت بها الحكومة خلال الجلسة هي مقترحات هزيلة استثنت العديد من العملة وخاصة أولئك الذين باشروا عملهم قبل سنة 2011.

وتابع "تضمن اقتراح الحكومة 16 ألف فردا من عمال الحضائر في حين أن اتحاد الشغل قدر عدد المنتمين إلى هذه الفئة بين 19 ألف و20 ألف عاملا، وهو ما دفعنا إلى المطالبة بتوسيع نطاق التسوية ضمانا لحقوق جميع العملة".

الإفلاس والسجن يتهدد صغار المستثمرين

وبالتزامن مع ذلك، يقود أيضا أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة والمهن الحرة تحركات احتجاجية لمطالبة الحكومة بدعهم في مواجهة تداعيات فيروس كورونا الذي تسبب لهم في خسائر مالية كبرى بعد توقف نشاطهم طيلة أشهر.

وفي هذا السياق، قال رئيس اتحاد المؤسسات الصغرى والمتوسطة زيار العمري لـ"سبوتنيك"، إن العديد من أصحاب المؤسسات الصغرى والمهن الحرة ذات الدخل المادي المحدود وجدوا أنفسهم في مواجهة المجهول، مؤكدا أن السجن يتهدد البعض منهم نتيجة عدم تفعيل المنشور الحكومي القاضي بوقف جميع التتبعات وإجراءات التأخير ما تسبب في تراكم قضايا الصكوك دون رصيد التي تحال على دوائر القضاء التونسي بسبب التعثر في سداد المبالغ المطلوبة من المزودين.

ويطالب العمري على لسان منظوريه بتنقيح قانون الصكوك دون رصيد تفاديا لتعرض صغار المستثمرين لمثل هذه العوائق المادية التي دفعتهم إلى استخدام الصكوك كوسيلة ضمان بعد رفض البنوك تقديم السيولة الكافية لإجراء معاملاتهم الاقتصادية.

كما يطالب صغار المستثمرين والتجار الحكومة بتوفير اعتمادات مالية تضمن لهم مواصلة نشاطهم بعد رفع الحجر الصحي وخلاص أجور العمال بما يضمن المحافظة على مواطن الشغل التي توفرها هذه المؤسسات.

وكان البنك المركزي التونسي قد أصدر أول أمس الجمعة منشورا خاصا يقضي بالسماح للبنوك ابتداء من تاريخ 29 أيار 2020 وإلى غاية موفى شهر كانو الأول بتخصيص تمويلات استثنائية جديدة لفائدة المؤسسات والمھنیین تسدد على مدة 7 سنوات، بما يمكن من ضمان ديمومة نشاطهم.

ويأمل صغار المسثمرين والتجار ألا تكون هذه الاجراءات حبرا على ورق وأن يقع تفعيلها سريعا لمساعدهم على إعادة نشاطهم الذي يمثل 90 بالمائة من النسيج الاقتصادي الوطني ويؤمن طاقة تشغيلية تزيد عن 75 ألف عامل.

المصدر: سبوتنيك

قد يهمك أيضــــــــــــــــًا : 

البنك المركزي التونسي يتفاوض مع صندوق النقد لصرف القسط السابع

العباسي يؤكد أن الصرافة الخاصة تحجم السوق السوداء