تتعرض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر بمصر لضغوط متزايدة، وسط مخاوف من تداعيات لا تقتصر على البيئة البحرية، بل تمتد إلى السياحة والثروة السمكية وحماية السواحل، في ظل ارتفاع حرارة مياه البحر وتزايد الأنشطة البشرية على طول المناطق الساحلية.
وتواجه هذه النظم البيئية الحساسة مجموعة من التحديات في وقت واحد، أبرزها التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة المياه، إلى جانب التوسع السياحي والتلوث والصيد الجائر، وهي عوامل تضع بعض مناطق الشعاب أمام معدلات تراجع لافتة.
ولا تقتصر أهمية الشعاب المرجانية على قيمتها الجمالية التي جعلت البحر الأحمر وجهة رئيسة لعشاق الغوص؛ إذ تشكل موطنًا ومصدرًا للغذاء والتكاثر لعدد كبير من الكائنات البحرية، فضلًا عن دورها في حماية الشواطئ من الأمواج والعواصف ودعم قطاعات اقتصادية رئيسة، في مقدمتها السياحة والصيد.
وكشف خبير البيئة البحرية واستشاري الاقتصاد الأزرق أيمن طاهر، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، عن تراجع مساحات الشعاب المرجانية في عدد من المدن الساحلية المصرية خلال العقود الأربعة الماضية.
وقال طاهر إن الفترة الممتدة من عام 1985 وحتى 2025 شهدت تآكل مساحة الشعاب المرجانية في الجونة بنحو 36.7%، فيما بلغت نسبة التراجع في الغردقة 31.8%، ووصلت في سفاجا إلى نحو 24.1%.
لكن وتيرة التراجع، بحسب طاهر، أصبحت أكثر حدة في بعض المواقع خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا بين عامي 2020 و2025، مشيرًا إلى أن بعض مناطق شرم الشيخ سجلت تراجعًا وصل إلى نحو 40%.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنظر إلى اعتماد عدد من المدن السياحية المطلة على البحر الأحمر بصورة مباشرة على البيئة البحرية والشعاب المرجانية باعتبارها أحد أهم عناصر الجذب السياحي.
وحذر طاهر من أن استمرار تراجع الشعاب لا يعني فقدان المرجان وحده، بل قد يقود إلى اضطراب أوسع داخل النظام البيئي البحري.
وأوضح أن الشعاب المرجانية تمثل مناطق للتغذية والتكاثر والحضانة والاحتماء بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الكائنات، ولذلك فإن تدهورها ينعكس على شبكة غذائية كاملة داخل البحر.
وتدعم الشعاب المرجانية، وفق طاهر، ما لا يقل عن 25% من الأنواع البحرية المعروفة، إلى جانب الخدمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي توفرها لمئات الملايين من البشر حول العالم.
وتبرز الثروة السمكية باعتبارها أحد القطاعات الأكثر عرضة لتداعيات تراجع الشعاب، إذ تعتمد أنواع عديدة من الأسماك والكائنات البحرية عليها للحصول على الغذاء والتكاثر والاختباء من المفترسات.
ومع تقلص مساحات الشعاب أو تدهور حالتها، تفقد هذه الأنواع جزءًا من موائلها الطبيعية، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع المخزون السمكي والتأثير في نشاط الصيد والمجتمعات التي تعتمد على الموارد البحرية في مصادر دخلها.
ولا يتوقف الخطر عند الحياة تحت سطح المياه، إذ تؤدي الشعاب دورًا يشبه "خط الدفاع الطبيعي" أمام السواحل، من خلال امتصاص جزء من طاقة الأمواج وتقليل قوتها قبل وصولها إلى الشاطئ.
وبالتالي، يمكن أن يؤدي تراجعها إلى زيادة تعرض بعض المناطق الساحلية للنحر والتآكل، فضلًا عن ارتفاع تأثير العواصف والأمواج القوية.
وتظهر التداعيات الاقتصادية بصورة أكثر وضوحًا في قطاع السياحة، خصوصًا في مدن مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم، التي بنت جانبًا مهمًا من جاذبيتها السياحية على الشعاب المرجانية ومواقع الغوص والتنوع الكبير للكائنات البحرية.
وبحسب طاهر، انعكس تدهور الشعاب بالفعل على جاذبية بعض المواقع السياحية، لا سيما في شرم الشيخ، وسط تقديرات بوصول الخسائر الاقتصادية المرتبطة بهذا التراجع إلى نحو 1.77 مليار دولار سنويًا.
وتضع هذه المؤشرات الشعاب المرجانية في قلب معادلة تتجاوز حماية البيئة؛ إذ إن استمرار تدهورها يحمل معه مخاطر متشابكة تطال السياحة والثروة السمكية والسواحل، وتحول فقدان مساحات منها إلى فاتورة بيئية واقتصادية في آن واحد.
وقد يهمك أيضًا:
أرسل تعليقك