قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان
آخر تحديث GMT22:34:04
 السعودية اليوم -

قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان

 السعودية اليوم -

 السعودية اليوم - قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان

مدفع رمضان بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة
القاهرة - السعودية اليوم

يحضر شهر رمضان في ذاكرة المصريين، كما في وجدان شعوب عربية وإسلامية كثيرة، محمّلاً بأصوات وروائح وطقوس شكّلت عبر عقود طويلة ملامح هذا الشهر، وفي مقدمتها دويّ مدفع الإفطار الذي لم يكن مجرد إشارة زمنية تعلن انقضاء ساعات الصوم، بل لحظة جماعية تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة الإفطار. ومع تطور وسائل قياس الوقت، ظل صوت المدفع محتفظاً بمكانته الرمزية، بوصفه جزءاً من هوية الشهر وذاكرته الشعبية.
قبل ظهور المدفع، اعتمد المسلمون على الأذان بوصفه الوسيلة الشرعية الأساسية للإعلان عن دخول وقت الصلاة والإفطار والسحور. وتشير المصادر التراثية إلى تنظيم دقيق لمواقيت الصيام منذ العهد النبوي، إذ كان بلال بن رباح يؤذن لتنبيه الناس، فيما كان عبد الله بن أم مكتوم يؤذن عند الفجر. ومع اتساع المدن الإسلامية في العصور اللاحقة، ظهرت وسائل مساعدة إلى جانب الأذان، مثل قرع الطبول في القلاع والساحات، واستخدام “النقّارات”، وإيقاد المشاعل فوق المآذن، فضلاً عن دور المسحراتي الذي عُرف في مصر منذ العصر الفاطمي، وكان يجوب الأزقة قبل الفجر لإيقاظ الناس للسحور.
ومع تزايد الكثافة السكانية في المدن الكبرى، برزت الحاجة إلى وسيلة أشد وقعاً وأبعد مدى، فظهر تقليد إطلاق مدفع الإفطار في مصر، الذي عُرف باسم “مدفع الحاجة فاطمة”. وتعددت الروايات بشأن بدايته؛ فإحداها تعيده إلى عهد السلطان المملوكي خوشقدم في القرن الخامس عشر، عندما صادف إطلاق مدفع تجريبي وقت غروب أول أيام رمضان، فظن الناس أنه تقليد مقصود، وطالبوا باستمراره، وقيل إن زوجته التي عُرفت بالحاجة فاطمة نقلت رغبتهم إليه فاستجاب.
رواية أخرى تنسب البداية إلى عهد محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر، عندما أُطلق مدفع للتجربة وقت الغروب فاستحسن الناس الفكرة، فيما تشير رواية ثالثة إلى عهد الخديوي إسماعيل، حيث قيل إن الأميرة فاطمة إسماعيل أمرت باستمرار إطلاق المدفع بعد أن صادف إطلاقه وقت الإفطار. وأياً تكن الرواية الأصح، فإن المؤكد أن التقليد انطلق من مصر وانتشر إلى بلاد الشام، ثم إلى إسطنبول ودول البلقان، ولاحقاً إلى بغداد والكويت، كما تبنته المملكة العربية السعودية بعد دخول مكة والمدينة تحت حكمها في عشرينيات القرن العشرين، وانتقل إلى الإمارات وبلدان أخرى في آسيا وأفريقيا.
ومع تأسيس الإذاعة المصرية عام 1934، ثم انطلاق التلفزيون عام 1960، لم يعد صوت المدفع مقتصراً على محيط القلعة، بل صار يُبث إلى ملايين البيوت، ما رسّخ حضوره في المشهد الرمضاني اليومي. وتوقف إطلاقه خلال فترات الحرب مع إسرائيل، مع الاكتفاء ببث تسجيل صوتي، قبل أن يُعاد إحياؤه عام 1983، واستمر إطلاقه من قلعة صلاح الدين حتى تسعينيات القرن العشرين، حين نُقل إلى جبل المقطم حفاظاً على المباني الأثرية المحيطة.
وتتنوع أنواع المدافع المستخدمة في هذا التقليد بين مدافع ميدانية قديمة وأخرى حديثة تُطلق طلقات صوتية احتفالية. ففي القاهرة استُخدمت مدافع ألمانية الصنع من طراز كروب عيار 75 ملم، بينما تستخدم بعض الدول مدافع بريطانية أو فولاذية حديثة للغرض نفسه. وفي القدس، تولت عائلة صندوقة مهمة إطلاق المدفع لعقود طويلة، فيما يُطلق في سراييفو من قلعة جوتا تابيا، وفي بعض مدن الهند من قلاع تاريخية تعود إلى عهود سابقة.
ومع دخول العصر الرقمي، وفرت التطبيقات الذكية والساعات الإلكترونية مواقيت دقيقة بحسب الموقع الجغرافي، وأصبحت ترسل إشعارات قبل الأذان، فيما تعرض لوحات إلكترونية في بعض المدن عدّاً تنازلياً لموعد الإفطار. ومع ذلك، تبقى للمدفع رمزيته الخاصة، إذ لم يعد دوره محصوراً في معرفة الوقت، بل في استدعاء ذاكرة جماعية تعيد الكبار إلى طفولتهم، وتمنح الصغار تجربة حسية لا توفرها الشاشات.
وهكذا، من الأذان في صدر الإسلام إلى دويّ المدفع في سماء القاهرة، وصولاً إلى تنبيه صامت على هاتف ذكي، تتغير الوسائل ويبقى المعنى واحداً: لحظة انتظار يتقاسمها الملايين، تعلنها القلوب قبل الساعات، ويظل فيها مدفع الحاجة فاطمة رمزاً لفرحة رمضانية تتجدد كل عام.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

السعودية والإمارات وقطر تعلن الأربعاء أول أيام رمضان ومصر وسوريا وتركيا تؤكد الخميس غرة الشهر

المفتي العام للسعودية يهنئ الملك سلمان وولي العهد بحلول شهر رمضان المبارك

alsaudiatoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان



GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 16:43 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:06 2018 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أحمد موسى يواصل التغزل بفريق النصر السعودي

GMT 07:58 2018 الأربعاء ,04 إبريل / نيسان

العثور على ثور مجنح عمره 2000سنة في الموصل

GMT 04:04 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

اتهام للجماعة الحوثية في الحديدة بتحويل المساجد إلى معتقلات

GMT 21:41 2017 الخميس ,14 كانون الأول / ديسمبر

الاتحاد الكويتي لكرة القدم يكشف عن شعار بطولة "خليجي 23"

GMT 09:36 2017 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

إدنبره مدينة السحر والجمال والتاريخ في إسكنلدا

GMT 08:29 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

اهتمامات الصحف السودانية اليوم الاحد

GMT 04:32 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

غرف معيشة مودرن تزينها تصاميم إنارة باللون الأسود الجذاب

GMT 01:18 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

طيار يموت بشكل مفاجئ أثناء هبوطه الاضطراري بالطائرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon