النبطية تراجيديا المدن العامرة
آخر تحديث GMT06:57:21
 السعودية اليوم -

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

 السعودية اليوم -

 السعودية اليوم - النبطية... تراجيديا المدن العامرة

مصطفى فحص
بقلم ؛مصطفى فحص*

تشبه مدينة النبطية الواقعة جنوب لبنان، الكثير من شقيقاتها في هذا الشرق الغريب؛ تكبر بالعمر، لكنها لا تشيخ. عمرُ حجارتها أطول من أعمار بنّائيها، لا يُرهقها حصار، ولا يُتعبها انتظار. وبالرغم مما تركته الحروب على جدرانها من خدوشٍ وجراحٍ عميقة، تصرّ على البقاء، وتحتفظ بذاكرة الذين سكنوها، والذين مرّوا عليها، أو مرّوا من أجلها، أو تنازعوا عليها فدمّروها.


صباح عيد الأضحى، كانت النبطية محاصرة. أُغلقت الطرقات منها وإليها، وتُركت تواجه قدرها الأليم وحدها.

في عيد الأضحى، صارت هي الضحية، أو ضُحي بها على محراب الطموحات الكبرى. فحين تُغالي الإمبراطوريات في تنفيذ رغباتها، تتطرّف حدّ التصلّب، وتبحث عن نجاتها الفردية، فتُضحي بأتباعها قبل أعدائها.

وفي لحظةٍ تشبه ملاحم الشعوب القديمة، التي صوّرت فيها خساراتها ودوّنت مراثيها، وقفت النبطية وسط ركامها تسأل سؤالها الأخير: كم يلزم من الدم حتى يقتنع أصحاب المشاريع الكبرى أن المدن والأوطان لا تُبنى على التضحيات المستمرة، ولا على المقاومة الدائمة؟

أما عيد التحرير، فبدا أقرب إلى عودةٍ جديدة للاحتلال، بعدما انحصرت قيمة التحرير في خروج المحتل فقط، ولم يتحوّل إلى حاضنةٍ وطنية مشتركة تجمع الطوائف اللبنانية كلها حول معناه. لأنه، حين استُثمر داخلياً، صار سبباً إضافياً للانقسام والاحتكار. والمعضلة أن صانعيه، أو محتكريه، لم يتعلّموا من التجربة أن الشعوب يظلّ انتصارها منقوصاً حين لا تُسيّله في شرايين الدولة كمادةٍ أساسية للبناء.

أما حين يصبح السلاح أعلى من فكرة الدولة، فإنه يقضي على الانتصار والدولة معاً، ويستجلب الاحتلال مجدداً. وهذا ما يحصل الآن، وهنا أخفق التحرير، وحلّت التراجيديا.

في تراجيديا النبطية اليوم، ها هي ذاكرتنا تتهدّم على أبوابها قبل أن تُهدم البيوت، وتتكسّر أحلامنا على طرقاتها التي حفظت أسماءنا وخطواتنا.

هنا كنّا، وهناك تعلّمنا المعنى الأول للحياة: كيف يخرج الناس صباحاً إلى أرزاقهم، كيف يصنعون من الخبز كرامة، وكيف تتحوّل المدينة الصغيرة إلى وطنٍ كامل نحبّه ويحبّنا.

أما نحن، الذين أُجبرنا منذ قرن على الهجرة من قرانا نحو شكلٍ جديد من الحياة، فها نحن اليوم نُقتلع منها مرةً أخرى، جسداً وذاكرة...

مرثية الحجر ليست للحجر وحده؛ فالنبطية ليست حجارةً فقط، بل وجوهنا، وضحكاتنا المعلّقة على أبواب الدكاكين، وأصوات الباعة، وازدحام سوق الاثنين، ورائحة زهر ليمون أبو صفير (برتقال) الصاعدة من بساتينها، والوجوه التي كانت تطمئننا أن العالم، مهما اضطرب، ما زال يعرفنا.

في النبطية لا يسقط الحجر وحده؛ جزءٌ كبير من الذاكرة يسقط معه، جزءٌ عزيز من سيرة الجنوب اللبناني، منّا، من أرواحنا... ونحن نرى ذلك بصمت... بصمتٍ، بصمت.


* مصطفى فحص كاتب وناشط سياسي لبناني و زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو

alsaudiatoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النبطية تراجيديا المدن العامرة النبطية تراجيديا المدن العامرة



GMT 09:19 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 10:25 2023 الأحد ,15 تشرين الأول / أكتوبر

فلسطين والقدس الأبية

GMT 06:52 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أنا النزيل الأعمى على حروف الهجاء ( في رثاء أمي الراحلة)

GMT 06:50 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!

الأميرة إيمان تجمع بين الأصالة والعصرية في إطلالاتها

عمان - السعودية اليوم

GMT 11:41 2020 الجمعة ,24 كانون الثاني / يناير

وزير الخارجية اللبناني السابق يغازل زوجته على انستغرام

GMT 16:16 2017 الخميس ,22 حزيران / يونيو

أصوات في الأهلي ترفض صفقة اللاعب حسن كادش

GMT 21:04 2017 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

أجواء صافية والحرارة حول معدلها السنوي

GMT 08:03 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

إليكِ حقائب على شكل مغلّف مستطيل عاموديًا

GMT 23:35 2017 الأربعاء ,06 أيلول / سبتمبر

موجوروزا ستتربع على عرش التنس الأسبوع المقبل

GMT 07:49 2018 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

هل الرياضة تحسن قدرة الأطفال على التفكير؟

GMT 16:52 2017 الخميس ,21 كانون الأول / ديسمبر

العالم في وجه أميركا اليوم

GMT 05:17 2013 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الأسد بعد اتفاق إيران

GMT 03:18 2016 الثلاثاء ,05 إبريل / نيسان

كريم كراميل بالشوكولاته

GMT 13:43 2017 الجمعة ,13 تشرين الأول / أكتوبر

رمزي حيدر رئيسًا للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم

GMT 10:35 2017 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

"الأتي تايقرز" تشيد بتحسن نتائج الاتحاد في الدوري السعودي

GMT 08:35 2016 الثلاثاء ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

الشعبويّة ووتائر التقدّم

GMT 04:27 2013 الجمعة ,01 شباط / فبراير

سيلينا غوميز تبرز منحنياتها في ثوب أنيق
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon