تقدم احتفالات "الهالوين" في العاصمة الإيرانية طهران، التي ظهرت علانية نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم، وتناقلتها باهتمام وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، تقدمُ مدخلاً لفهم أعمق للتغيرات الحاصلة في علاقة شرائح واسعة من الأجيال الإيرانية الجديدة، بالقيم التي نظمت المجال العام منذ قيام نظام الجمهورية الإسلامية العام 1979.
الاحتفالات ليست الأولى من نوعها، وكانت تقام منذ سنوات خلت رغم القيود التي تفرضها الأجهزة الحكومية الخاضعة لـ"التيار المتشدد". إنما اللافتُ هو حضورها العلني في الشوارع، رغم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد والمخاوف المتعاظمة من عودة قد تكون وشيكة للحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في مشاهد تكشف عن رغبة المحتفلين في ممارسة حياة اعتيادية بكل ما فيها من مرح، متجاوزة الضغوط النفسية التي تشيعها أجواء الترقب.
تقتضي قراءة المجتمع الإيراني التخلص من حكمين مسبقين: أن كل سلوك متأثر بثقافة عالمية يعني رفض الهوية الإسلامية والوطنية، وأن كل ممارسة محظورة هي بالضرورة احتجاج سياسي واعي على النظام. وفق ذلك، فإن المشاركة في احتفالات "الهالوين" قد تحمل دوافع ترفيه وتواصل وظهور يبرز الذات الجماعية، وربما - أيضاً - الاعتراض على القيود الدينية المتشددة، والرغبة في ترسيخ الحريات الفردية والمجتمعية، أكثر من كونها انقلاباً كلياً على بنية النظام ومؤسساته.
لقد نشأ جيل الثورة على سرديات الاستقلال والعدالة والهوية الإسلامية ومواجهة الهيمنة الخارجية ومواجهة "التغريب". أما من ولدوا بعد ذلك بعقود، فيتعرفون إلى هذه القيم من خلال المؤسسات ونتائج سياساتها، إلى جانب المدرسة والأسرة والفضاء الرقمي الذي يقدم نماذج كونية مختلفة تماماً عن تلك التي يروج لها رجال الدين أو التيارات المحافظة، حيث "الهوية الكونية" المتجاوزة للأعراق واللغات والثقافات والأديان.
قد تتفق الأجيال الإيرانية المتعاقبة على أهمية الاستقلال أو العدالة والمساواة، لكنها تختلف في تفسيرهما، حيث هنالك مقاربات متعددة، البعض فيها يرى الأولوية لـ"قيم النظام" فيما الأخرى تقدمُ "كرامة الفرد وحريته".
أيضاً، ستجد في الجيل الجديد من يعارض بشدة فرض القيود الاجتماعية، ويحرص في الوقت نفسه على دعم سيادة بلاده ورفض الاعتداء الخارجي، وهذا ما حصل إبان الحربين الأخيرتين التي واجتهما إيران، وعلت خلالهما "روح وطنية" كانت مدعومة بـ"نزعة قومية" أكثر منها إيماناً بسردية النظام الثوري ذاته، لدى كثير من الشرائح الشبابية.
هذا التفاوت تؤكده دراسات تتجاوز احتفالات "الهالوين" العابرة، رغم إشاراتها الاجتماعية الهامة. ففي بحث منشور في "مجلة علم الاجتماع الإيراني" قدمه الباحثان يعقوب أحمدي ونينا كريمي، لاحظا فيه ما سمّياه "تراجع الامتثال" للسلطة داخل الأسرة والدين والعمل والسياسة. وتشير النتيجة التي تم استخلاصها إلى أن هنالك تغيرا في قبول السلطة استناداً إلى مكانتها التقليدية، وتزايد الحاجة إلى الإقناع والفاعلية المؤسسية التي تقدم النماذج الناجحة التي تتوافق وطموحات الشباب.
هذه القراءة التفسيرية، هنالك في الفضاء العام الإيراني ما يعارضها أيضاً، لأن المجتمع ليس كتلة واحدة متجانسة. فقد رأت وكالة تسنيم الدولية للأنباء في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في الإقبال على "المناسبات الغربية" تعبيراً عن ما سمّته "فجوة هوياتية" وبحث عن الانتماء في عالم رقمي يتجاوز الحدود المحلية.
بينما ذكرت بعض الصحف الإيرانية مثل صحيفة "خبرنامه دانشجویان إيران" أن "تقويم الحياة اليومية للإيرانيين لم يعد يقتصر على المناسبات الوطنية والدينية والتقليدية".
وفي الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أفادت تقارير إعلامية عبر موقع "كمال أونلاين"، أن "الشاب الإيراني يحتاج إلى الفرح والهوية والشعور بالانتماء".
هذه المقاربات المختلفة في المنصات الإعلامية، هي الأخرى دالة على زوايا نظر تعكس فسيفساء جيل الثورة وما بعده من أجيال، وكيف أن هنالك من لا يزال يعتبر "قيم الثورة" حصناً يجب الاعتصام به، وآخرون يرون أن التجديد وقبول التحولات المستحدثة، أمر لا مفر من احترامه أو التعامل معه بذكاء وحصافة، وتقديم بدائل جذابة.
هذا التحول الذي بدأ يظهر جلياً خصوصاً في المدن الكبرى مثل العاصمة طهران، وفي أوساط الطبقات المتوسطة والعليا، ولدى الجامعيين في مدن وقرى مختلفة، تتقدم مظاهره وتتأخر بحسب التموجات السياسية والأمنية. حيث تؤثر الحرب والأزمة الاقتصادية في هذه التحولات بطرق متباينة.
صحيح أن قيم ثورة العام 1979 لم تختف من المجتمع الإيراني، كما أن دلالاتها ليست ثابتة لدى جميع أجياله، بل هنالك غياب لمفاهيم كانت سائدة سابقاً ك"مكانة رجال الدين"، وصعود لخطابات أخرى وإن لم ترفد بتنظير ثقافي وفلسفي من النخبة.
هذا التغير ترفده تطلعات شرائح شبابية واسعة إلى الاندماج في القيم الإنسانية والكونية الأكبر، وعدم البقاء في حيز العزلة، وبناء علاقات شراكة تتجاوز حدود إيران، خصوصاً أنها تشاهد كيف يتغير العالم سريعاً، ولديها "اعتزاز قومي" بـ"الهوية الإيرانية"، والتي قد يجد فيها الكثيرون بديلاً عن "هوية الثورة" التي وفق اعتقادهم تجاوزَ الزمن أغلب أبجدياتها، وآن للخطابات الجديدة أن تقدم نماذجها الأكثر مرونة وحداثة.
وفي السياق ذاته، أفادت تقارير إعلامية ومصادر صحفية أن مظاهر الانفتاح الاجتماعي في الأماكن العامة والاحتفالات الغربية المتزايدة تعكس تحولاً ديمغرافياً وثقافياً عميقاً يشهده الشارع الإيراني في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية، بينما ذكرت بعض الصحف العالمية أن السلطات في طهران تتعامل بحذر وتفاوت بين التشديد وإرخاء القبضة الأمنية تجنباً لإثارة سخط الفئات الشبابية والجامعية، وهو ما أشارت إليه مصادر إخبارية أخرى في تغطيتها لتنامي الفجوة بين الأجيال الجديدة والخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
خامنئي يدعو لمسيرات حاشدة في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية
روحاني يُؤكد أنَّ الأعداء يشنون حربًا لا سابقة لها في تاريخ الثورة الإسلامية
أرسل تعليقك