بقلم : عبد المنعم سعيد
«الهوية» مكون أساسى من مكونات الدولة، وموضوعها أن جماعة من البشر قد وجدت مجتمعا متميزا من الرموز والأساطير والثقافة والمصالح المشتركة عن كل ما جاورها من مجمعات أخرى. هذه الهوية إجرائيا ترتب استعداد الأفراد للدفاع عن الحدود حتى بالحياة، ودفع الضرائب لرفع العلم وتحقيق التنمية المشتركة. فى الدولة الوطنية توجد السياسة التى تدعم من خلال وسائل متنوعة ما هو مشترك وتجعله يسير فى اتجاه متصاعد؛ ولا تقبل إطلاقا أن تكون فيها جماعة مثل «حزب الله» فى لبنان ثلثا معطلا لكل ما تحتاج إليه الدولة من قرارات. «هوية الدولة» بكل ما فيها من فخر وعزة، تجعل عمليات توقيع الموارد القومية مسألة تخص جميع «المواطنين»، وفى كل الأحوال يكون «السلاح» واستخدامه احتكارا خالصا وشرعيا للسلطة السياسية وحدها. ما جرى فى وطننا العربى هو أن عددا ليس بقليل فى عالمنا العربى ضعفت فيه الهوية إلى الدرجة التى خلقت صدامات مسلحة كتلك التى نراها فى دول عربية.
مثل ذلك لا يحدث فى دولة وطنية واحدة إلا إذا كانت الهوية المشتركة ضعيفة متهافتة إلى الدرجة التى تولد ميليشيات جماعات متفرقة، وكثيرا ما تتصادم فيما بينها، وكل منها من حيث القوة والسلاح يتفوق على الجيش الوطنى. والحقيقة، أنه لم تكن هناك صدفة أن دول الإصلاح العربى حيث لا ميليشيات ولا حرب أهلية أولت مسألة الهوية اهتماما خاصا بحيث باتت حجر الأساس الأول فى عملية الإصلاح الجارية.
والشائع بين البشر أنهم مثل بعضهم البعض من وجهة النظر البيولوجية، ولكن الإنسان أيضا شخصية اجتماعية واقتصادية وسياسية، وبين الأطباء فإن كل إنسان حالة وحده بما فيه من توارث الخلايا، وبيئة التربية، وثقافة المحيط بما يرى ويسمع ويأكل ويشرب. والدول والأمم لكل منها ما يجعلها متفردة عن الأخرى، وجاء هذا التفرد من عملية تاريخية فيها ما هو طبيعى ومتوارث، وما هو تحت الصهر والتكوين من قبل الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ. وإذا كان الإنسان إلى حد غير قليل أسير والديه، فإن الدول والأمم أسيرة جغرافيتها وجيرانها وتوالى كليهما فى الأزمان والعصور. هى عملية تاريخية حديثة عندما تمزقت إمبراطوريات تاريخية تجمعت على أسس أغلبها دينى وولاء للإمبراطور، شخصية وأسرة مقدسة وقيادة عسكرية.
وليس صدفة أنه رغم التغييرات الكثيرة التى جرت على العالم خلال القرنين الأخيرين، فإنه لا تزال بين دول العالم إمارات أو ممالك تحكمها أسرة كانت هى التى وضعت اللحمة بين أهل البلاد. فى أوروبا لا تزال الملكية موجودة بأعلامها الصليبية، وبلاطها بتقاليده ورموزه التى تصنع عروة وثقى بين أفراد باتوا قبيلة كبيرة اسمها إنجلترا أو الدنمارك والسويد وهولندا وإسبانيا بعد الحرب الأهلية، لم تعد الروح فيها إلا مع رجوع الملكية. الارتباط بالتاج أو بالأسرة الحاكمة يشهد بأنه لا توجد طريقة واحدة لحل «المسألة الوطنية» التى يرتبط فيها «المواطنون» بدولة واحدة ومستقبل مشترك. التخلص من الاستعمار والاحتلال كثيرا ما شكل الأصول الأولى لقيام الدولة؛ ولكن حل المسألة الوطنية لا يتم إلا من خلال مشروع للحداثة تكون تنمية الهوية المشتركة جزءا أساسيا من مقوماته.
ومصر حالة فريدة، حيث جاءت الرابطة فيها مبكرة عندما بات النيل ملتحما مع بناء حضارة فرعونية عميقة على مدى ثلاثة آلاف عام؛ ولكن الثلاثة آلاف عام التالية فتحت أبوابا للاختلاط مع أمم أخرى وضعت آثارها على وادى النيل. ومع القرن التاسع عشر بدأت مصر تطل على الحداثة مع الوالى محمد على وهى التى سرعان ما أطلعت مصر على تاريخها القديم. وبقدر ما كان فى ذلك جوهرا للهوية الوطنية المصرية، فإنه وضع على أكتاف الإعلام وظيفة دعمها واستثمارها، لتكوين قوة دافعة نحو التقدم. وفى الواقع أن هناك أزمة هوية وطنية فى الإقليم تقف وراء ما نراه من صراعات محلية وحروب أهلية تفجرت إما بفعل مواريث تاريخية، أو أن بعضا من رياح الربيع العربى فككت روابط مشتركة وتركت بعد ذلك جميع سكان الدولة فريسة توترات وتمزق وحرب أهلية.
النموذج المصرى الذى قام على تراكم طبقات التماسك بين عناصر الأمة كلها جعل «الدولة الوطنية» الحديثة ليس فقط ممكنة وإنما قادرة على التعامل مع نفسها ومع العالم الخارجى بهوية أولا متميزة، وثانيا شخصية واثقة من نفسها ومكانتها. فى مطلع العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين اختبرت متانة الهوية المصرية مرتين ؛ مرة عندما سرت الفوضى فيما سمى ثورة يناير؛ ومرة عندما تولى الإخوان المسلمون السلطة. فى كل مرة نجحت مصر، وكان حبل الوصل هو القوات المسلحة، ومن وقف إلى جانبها فى ٣ يوليو ٢٠١٣ ممثلين للأزهر والكنيسة القبطية وحركة تمرد التى بدأت تصويتا شعبيا ضد الإخوان، والمرأة والمجتمع المدنى. لم تتبعثر الأمة ولا اقتتلت، وإنما بدأت مشروعا وطنيا للتنمية والتقدم. السنوات العشر الماضية تشهد على مثل هذه الرابطة منتشرا فى ربوع مصر؛ وفى المنطقة فإن الأمر يطلب مزيدا من البحث.