بقلم - سليمان جودة
كالعادة.. انهال المديح فى صفات الدكتور مفيد شهاب وفى سجاياه، ولكن لم يحدث هذا إلا بعد أن أسلم الرجل روحه إلى بارئها، ولا بد أنه تمنى لو يسمع فى حياته كلمة واحدة من هذا السيل من الكلام الذى قيل فيه. ولكن ما أعرفه أنه رحل وفى نفسه غُصة مما لحق به فى أيام ما يسمى بالربيع العربى. وليس أغرب ولا أعجب من أن كثيرين ممن كالوا له المديح بعد وفاته، كانوا هُم أنفسهم ممن هللوا وكبروا للربيع العربى!.. ولا غرابة طبعاً.. فكذلك حال المنافقين الساقطين فى كل وقت وفى كل عصر.
أذكر أنى تكلمت معه مرة فى أجواء الربيع إياه، وأذكر أنه كان يشكو من زميلة صحفية راحت تصور بيته، وكان الهدف أن يقال إن عنده بيتاً، وأنه لا بد أن يجيب على هذا السؤال: من أين لك هذا؟.. وكأن الرجل الذى قضى حياته أستاذاً بارزاً للقانون، ومديراً لأكبر وأقدم جامعة فى البلد وفى المنطقة، ووزيراً على رأس وزارتين، وقبل هذا وبعده مدافعاً شرساً عن مصرية طابا فى ساحة القانون الدولى.. كأن رجلاً بهذا التاريخ لا يستحق أن يكون عنده بيته يقيم فيه!. لا أنسى عبارة قالها لى عندما تكلمت معه لأهدئ من غضبه بعد واقعة تصوير البيت. قال: رجاءً.. اعتبرونى مُت!. هكذا والله قالها لى، وهكذا سمعتها منه حرفياً، بينما مرارة الدنيا تملأ نفسه وتملأ فمه!.. لك أن تتصور أن يكون رجل مثله قد جاء عليه وقت تمنى فيه لو يكون بين الأموات!.. ثم لك أن تتصور حال سواه من الرجال فى البلد!
ولم تكن حكاية تصوير بيته هى المرارة الوحيدة التى عكرت صفو حياته، ففى مكالمة أخرى روى لى ما هو أعجب.. روى أنه كان يمضى فى طريقه فى الشارع، فإذا بشاب يستوقفه ويسأله: حضرتك الدكتور مفيد شهاب بتاع طابا؟.. تأثر جداً بسؤال الشاب ولكنه أجاب: لا يا ابنى.. أنا مش مفيد شهاب بتاع طابا.. أنا مفيد شهاب بتاع هدايا الأهرام!
وكانت هذه قصة أخرى أضافت له مرارة فوق مرارته، فلقد استيقظ يوماً ليجد اسمه فى قائمة ما سُمى وقتها «قضية هدايا الأهرام» وكانت القصة أنه حصل على هدايا أثناء وجوده فى الوزارة من مؤسسة الأهرام، وأن عليه أن يرد هذه الهدايا التى حصل عليها أيام حسنى مبارك، واكتشف أن عليه أن يتردد على جهات التحقيق كل يوم تقريباً بسبب هدايا الأهرام!. وكما سمعت منه، فهو بالفعل كان قد حصل على هدايا، وكانت ثلاث هدايا على وجه التحديد: حزام، ومحفظة، وحقيبة جلدية.
كان قد وزع هداياه «الثمينة» هذه كما سمعت منه على العاملين فى مكتبه، ولكن جاءت أجواء «الربيع» القاتمة لتدعوه إلى ردها.. وإلا فالقانون فى انتظاره!. سألته: ماذا فعلت يا افندم؟.. قال: سددت ١٨ ألف جنيه وانتهى الأمر!
يرحم الله الرجل الذى عاش قامةً كبيرة قبل ما يسمى بالربيع العربى، ثم عاش بعدها شاهداً على عبث معه ومع غيره لا حد له ولا سقف.