مأزق التكنولوجيا الجامحة

مأزق التكنولوجيا الجامحة

مأزق التكنولوجيا الجامحة

 السعودية اليوم -

مأزق التكنولوجيا الجامحة

آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

نعتقد أننا في لحظة دقيقة جداً من تاريخ العلم والتكنولوجيا وماهيتهما وسقفهما تقودنا إلى التساؤل عن إلى أي حد يمكن أن تكون علاقة الإنسان بالتكنولوجيا كعلاقة الساحر بالسحر، وإمكانية حدوث الانقلاب المكروه؟

منذ فترة والعالم يُمجّد الذكاء الاصطناعي، وكلنا تقريباً اندهشنا بهذا الابتكار. ولكن، لو راجعنا دهشتنا قليلاً، لربما لاحظنا أنها دهشة ممزوجة بشيء من الخوف، أو بشكل أدق: تخوُّف.

ليست المشكلة فيما قد يطرحه أي ابتكار، سواء كان دواءً أو آلة أو تقنية، من مخاوف وسلبيات؛ فذاك أمر متكرر في تاريخ الابتكارات كافة تقريباً. ولعل مثال الدواء وحده كافٍ ليدعم هذه الفكرة، حيث إن ثنائية العلاج والآثار الجانبية كانت دائماً في تلازم. وفيما يخص ما قيل في الذكاء الاصطناعي من تهديدات تتعلق بقدرته، إذا ما تم سوء استخدامه، في تزييف الواقع، والقضاء على مهن عدة وإحالة الآلاف مستقبلاً على البطالة، فضلاً عن مخاطره في مجال الأسلحة والتجسس، وانتهاك الخصوصية، وصولاً إلى انتهاك حقوق الملكية الفردية ومس تفرّد الإنسان في الإبداع... إلى جانب كل هذه الصيحات القلقة والطبيعية جداً، التي يمكن أن نجد لها حلولاً لو توفرت الإرادة الحقيقية لذلك، فإن الخطورة الكبرى التي تستحق التوقف عندها ملياً والقيام بالفرملة اللازمة هي الخطر الوجودي للذكاء الاصطناعي، الذي تفسره النقاشات العلمية المحتدمة من أشهر قليلة بفكرة رئيسية: أن يتطور الذكاء الاصطناعي إلى حد يتفوق فيه على الذكاء البشري بأكمله، مما يؤدي إلى فقدان البشر السيطرة على مصيرهم، أو حتى انقراض الجنس البشري.

الخطر من دون زيادة أو نقصان يتمثل في تبني شخصيات علمية، ذات باع في التكنولوجيا، لسيناريو قدرة الذكاء الاصطناعي، إذا ما لم يتم منع ذلك، على إفناء البشرية. وللعلم، فإنه من فرط عدم قدرة تصديق كثير من الناس لهذا السيناريو، فإن الاستخفاف والضحك على الفكرة كانا حاضرين بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي. والحال أن هناك مؤشرين يفرضان الجدية في التعاطي معه، وهما: أولاً: القيمة العلمية لأصحاب سيناريو خطر الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري في المستقبل القريب، وثانياً: أن هذا الخطر يمس وجود الإنسان، وليس فقط تحديات يتقاسمها الذكاء الاصطناعي مع ابتكارات أخرى كثيرة. ويمكن تلخيص أبعاد الخطر المعلَن في نقاط عدة، أولها: معضلة «الذكاء الاصطناعي الفائق»، التي تفيد بأنه بمجرد أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الذكاء البشري العام، سيكون بمقدوره إعادة برمجة وتطوير نفسه بسرعة فائقة. هذا سيؤدي، حسب أصحاب السيناريو الكارثي، إلى ولادة «ذكاء اصطناعي فائق» يتجاوز القدرة الاستيعابية للبشر بمليارات المرات. وهذا يعني أنه يمكن أن تحدث ما يسميه التكنولوجيون المحذّرون بـ«فجوة الفهم»، أي أنه لن يتمكن العقل البشري من فهم كيفية اتخاذ هذا النظام لقراراته أو التنبؤ بأفعاله.

وفي مقابل الخوف من حدوث نتائج غير مقصودة ولكنها كارثية على البشرية، فإن الفريق المضاد يرى في الخوف المشار إليه مبالغة، ويطرح للمجادلة خوفاً آخر يتمثل في تأخير الفوائد المنقذة للبشرية، إذ ستبطئ تطوير تقنيات قادرة على حل معضلات وجودية حقيقية نعيشها اليوم.

وفي هذا السياق، يقود العالم، يان ليكون، رئيس علماء الذكاء الاصطناعي في شركة «ميتا» جبهة المعارضين فكرياً؛ حيث يرى ما مفاده أن الآلة تظل أداة مصمَّمة بدقة لتنفيذ الأوامر، والحديث عن تمردها هو إسقاط للمخاوف الإنسانية على البرمجيات.

وهنا السؤال: هل تستقيم المخاطرة بعدم تأجيل الفوائد التي قد تكون منقذة للبشرية، في ظل وجود خطر حدوث نتائج غير مقصودة تقضي على مليارات من البشر؟

نعتقد أن الخطر أثقل بمليارات المرات من الفوائد الممكنة، خصوصاً أن عدم تبني استراتيجية أخلاقية عالمية تضع أدوات تتحكم في الذكاء الفائق، وتكبح البُعد الفائق فيه سيؤدي إلى ما يدحض الفوائد نفسها.

لقد تناولت المخاوف التي يستند إليها الفريق الداعي لفرملة الذكاء الاصطناعي، ووضع هدنة لرسم الحلول اللازمة، ما هو أكثر فزعاً، وهو أن يصبح الذكاء الاصطناعي الفائق، مع تنامي ذكائه، مقاوماً للإطفاء، وقادراً على تعزيز نفسه ذاتياً مع تطوير تلقائياً آليات للدفاع عن نفسه على غرار خداع المبرمجين البشريين وإخفاء مخاطره حتى يضمن عدم إغلاقه.

من المهم أن نتنبه أيضاً إلى أن الحديث عن مخاطر أي ابتكار في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بشكل عام كان يتعلق بالأساس بسوء استخدام الإنسان والانحراف به إلى غير الوظيفة التي ابتُكر من أجلها. ولكن في حالة الذكاء الاصطناعي فالأمر مختلف تماماً؛ حيث إن الخطر يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفلت من سيطرة الإنسان، ويستخدم نفسه بنفسه، وهنا المأزق الذي يطل على جحيم التكنولوجيا الجامحة.

إن الأمر عندما يتعلق بوجود البشرية وعدمها، فإن العقل ينصت للتهديدات، ولو كانت ضعيفة أو مبالغاً فيها، فالوجود البشري ليس موضوعاً للمخاطرة.

arabstoday

GMT 13:06 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

عمداً وقصداً

GMT 13:03 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التدخل العسكري الخارجي... بين مُبارك والسيسي

GMT 12:59 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

عائلة الملك خوفو

GMT 12:57 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

السودان في مواجهة حرب الاقتصاد والمسيّرات

GMT 12:54 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

خطأ التعميم في قضية الهجرة

GMT 12:50 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

ليبيا لا تزال رهينة معرقلِي الحل

GMT 12:45 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

ما فشلت فيه إيران يتكرر مع الحوثيين!

GMT 12:41 2026 الخميس ,22 تشرين الأول / أكتوبر

حلقة فرنسا الجهنمية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مأزق التكنولوجيا الجامحة مأزق التكنولوجيا الجامحة



الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة ـ السعودية اليوم

GMT 04:25 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%
 السعودية اليوم - لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%

GMT 04:37 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض
 السعودية اليوم - الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض

GMT 01:43 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

نتنياهو يتوعد إيران حال التشويش على انتخابات إسرائيل
 السعودية اليوم - نتنياهو يتوعد إيران حال التشويش على انتخابات إسرائيل

GMT 01:33 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يطلب من ماسك رفع قيود "ستارلينك" في أوكرانيا
 السعودية اليوم - ترامب يطلب من ماسك رفع قيود "ستارلينك" في أوكرانيا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 20:04 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

بنجامان بيوليه وبوم يفوزان بأبرز جوائز فيكتوار

GMT 16:43 2019 الجمعة ,22 آذار/ مارس

الهلال يرفع درجات الاستعداد لمواجهة أحد

GMT 20:31 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

نادية السليماني تغادر مواقع التواصل بسبب "الكراهية"

GMT 08:11 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

اشتباكات بين قوات الأمن ومسلحين في عدن

GMT 00:05 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

لاعب السد القطري يؤكد استهداف الفريق تحقيق الفوز على هينجين

GMT 15:16 2018 الأربعاء ,23 أيار / مايو

حساب النصر على تويتر يلغي متابعة فيصل بن تركي

GMT 15:43 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

خروج مُفاجىء لنوفاك ديوكوفيتش أمام دنيس إيستومين

GMT 19:16 2017 الأربعاء ,06 أيلول / سبتمبر

محمد صلاح "مشاغب الفصل"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon