بقلم : محمد أمين
هذه قصة مطعم الملك فاروق.. أحكيها بمناسبة قرب حلول شهر رمضان، حيث تُقام الموائد الرمضانية للبسطاء والمسافرين الغلابة.. يُقال إن الملك فاروق كان يسير مع أحد المقربين، فرأى رجلاً كبيراً فى السن، يبدو عليه الفقر، ويجلس فى حالة لافتة.. فاقترب منه وسأله: ما بالك، ومن أين أنت؟.. قال إنه جاء من إحدى المحافظات، يبحث عن عمل.. سأله الملك فاروق: هل تناولت طعام الإفطار؟.. رد الرجل: الأرزاق على الله.. فأعطاه الملك جنيهاً ليأكل.. ولكنه لم يقف عند هذا الحد، وفكر فى إنشاء مطعم فى وسط البلد بين العتبة وباب الشعرية لإطعام البسطاء، الذين ليس لهم مأوى، واختار منطقة حيوية بباب الشعرية لإنشاء المطعم!.
وتم إنشاؤه فى عام ١٩٣٢، واعتبره مكاناً لإطعام الفقراء والمساكين مجاناً، وكان الجميع يذهبون إلى المطعم ليأكلوا.. البسيط يأكل مجانا، والمقتدر يأكل بمبلغ زهيد، ويشرف على إعداد الطعام موظفون رسميون، يقدمون الوجبات الساخنة، اللحم والدجاج والخضار والأرز.. المطعم كان يوجد به أنواع المأكولات المختلفة من لحوم ودجاج، وكان ثمن الوجبة تعريفة، كما كان يوجد به خدمة على أعلى مستوى!.
وكان المترددون على المطعم يُعتبرون ضيوفاً على الملك.. يتناولون الطعام دون أن يدفعوا ودون أن يجدوا مَن يشكرونه.. بمعنى أن الرجل أنشأ المطعم واختفى.. لا يريد جزاء ولا شكوراً. ولكنه اهتدى إلى الفكرة بعد أن رأى حالة أحد العمال فلاحت له فكرة المطعم، ليقدم وجبة ساخنة وليس ساندوتش فول وطعمية!.
لم يصنع له مجلس إدارة، على طريقة مجلس إدارة عموم الزير.. ولم يهتم بالرسميات وتركها لله فى الخفاء.. وأذكر الآن هذه القصة فى وقت زادت فيه العمالة القادمة من الريف والصعيد تبحث عن عمل ولقمة عيش، والأمر يستدعى إنشاء المطاعم المجانية، تقدم لهم الوجبات الساخنة وتقيهم ذل السؤال!.
الغريب أنه تم إغلاق مطعم فاروق الخيرى بعد عام ١٩٥٢، وتحويله إلى مقر حكومى للشؤون الاجتماعية، ليُستخدم كمنفذ لصرف المعاشات، وبعدها تم نقل المنفذ، وبقيت اللافتة التى شهدت أحداثا كثيرة لم نشهدها، ويقع المطعم ما بين العتبة وباب الشعرية!.
هكذا كان الملك «الفاسد» رحيماً بالبسطاء من الشعب المصرى، وهكذا فعلت الثورة المجيدة بالشعب كله.. وكان المطعم يقدم الطعام طول العام بمختلف أنواعه بالإضافة للحوم والدجاج للفقراء بربع الثمن، ومَن لا يملك المال يحصل على وجبته مجانًا، وكان يمكن للمرء الحصول على دجاجة بتعريفة، وهو مبلغ زهيد جدًا بالنسبة للوجبة حينها!.
كان المطعم يوزع وجبات إفطار رمضان على الفقراء فى منازلهم، وتم تعيين طاقم خدمة خاص تميز بحسن المعاملة للمحتاجين، وعدم جرح مشاعرهم.. وكان تلاميذ المدارس يحصلون على وجبات جاهزة فى المدرسة أيضاً، قبل أن تتحول الوجبة المدرسية إلى باكو بسكويت، غير صالح للاستهلاك الآدمى!.