هل البشرية في حاجة إلى صحوة حقيقية، تحمل في طياتها الأمل والتجديد والانبعاث من رماد الكراهية، وإرث البغضاء؟
إذا ألقينا نظرة على العالم وتاريخه، يبدو للوهلة الأولى أن راية الحرب والعنف، القمع والظلم، عطفاً على الانحلال الأخلاقي، هي السائدة.
اليوم لا تبدو الدموع التي ذرفت في القرن العشرين، مع حربين عالميتين، راح ضحيتهما عشرات الملايين، قد مهدت الطريق لهذه الروح، وبات الأمل هو انتظار الزارع الصالح بشوق، على حد تعبير الشاعر الفرنسي الشهير شارل بيغي.
مع الأسف توحي ملامح العالم الحالية، بإعتام مغلق، وأحلام محطمة، ونهايات للوعي الإنساني التاريخي؛ وبعالم من غير مشروع إنساني مشترك يليق بكرامة الإنسانية بالقرب من منتصف القرن الحادي والعشرين، حيث الاستعباد العالمي متعدد الأشكال يسود، ما يعود بالبشرية إلى زمن حضارة الغاب.
هل تحققت تنبؤات الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز عن الإنسان، وكيف يتحول إلى ذئب لأخيه الإنسان؟
حين تغيب القوانين الدولية، وتدفع الفردانية وحبّ الذات، كل شخص عبر مصالحه وقوته، تبدو حياة الإنسان وحشية وقصيرة ومملوءة بالخوف، ويستتبعها بالضرورة نشوب الحروب، حيث تصبح علاقة الناس ببعضهم، أشبه بعلاقة الذئب المفترس بفريسته.
قبل ثلاثة عقود ونيف، قدم لنا الصحافي الأميركي والمحلل الجيوسياسي الأميركي روبرت كابلان مقاله المثير «الفوضى القادمة»، عبر مجلة «أتلانتيك مونثلي»، وكان ذلك عام 1994، أي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، واعتبار الغرب منتصراً بالمطلق.
وضع كابلان أمام أعيننا خريطة لعالم مقسم، تنبأ من خلالها بنشوء ثنائية إنسانية متناحرة، بين عالم متقدم ومستقر تكنولوجياً، محاط بجدران وأسوار أمنية، في مقابل عالم نامٍ يعيش في الفوضى والفقر والحروب الأهلية المستمرة.
بعد خمسة عشر عاماً من مقال كابلان، كان الأديب الفرنسي الجنسية اللبناني الأصل أمين معلوف، يقدم لنا رائعته «اختلالات العالم»، والتي سيعقبها برؤيته لـ«غرق الحضارات». اكتشفالثقافة
في الأولى يقطع بأن الحداثة المبتذلة والأنانية غير المقدسة التي تتمرغ في حمأة الإثرة المطلقة، ستقودان العالم إلى الضياع.
وفي الثانية، يصور لنا أوضاع البشر في حاضرات أيامنا، ببحارة في قارب واحد، نصفهم يجدف ناحية الشرق، والنصف الباقي يمضي بالمجاديف ناحية الغرب، والنتيجة أنهم لن يصلوا أبداً إلى شاطئ الأمان وقت العاصفة.
يوماً تلو الآخر تُثبت «عبادة العجل الذهبي» أنها لا تفيد، بل إن جعل المال والتكالب على الثروات معياراً لكل استحقاق للاحترام وأساساً لكل سلطة وكل تراتبية، أمر يؤدي إلى تمزيق النسيج المجتمعي البشري، وهو ما نراه حادثاً الآن.
استنقاذ العالم من وهدة الضياع، شأن يتطلب ثقافة جديدة هدفها البناء معاً، على أسس من التوافق حول الحقائق، وهذا لا يتحقق إلا عبر ثقافة اللقاء، واستحسان الظن بالآخر، واستعادة اللطف بين بني البشر.
يبدو عالمنا في حاجة إلى مسارات سلام تقود إلى التئام الجروح، لا تعميق مشاعر العداء، ما يتطلب قوافل من «صناع السلام» المستعدين للشروع في عمليات الشفاء والتلاقي.
هذه الأيام ونحن على عتبات مخاوف من اندلاع صراع واسع ما بين روسيا وحلف الناتو، قد لا ينفك أن يتحول إلى حرب عالمية، يتوجب علينا أن نتذكر ما شدد عليه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عام 1786، في مؤلفه الشهير «فروض عن بداية تاريخ الإنسانية»، من أن «أكبر شيء يصيب الشعوب المتمدنة ناشئ عن الحرب، لا بمعنى الحرب الحاضرة أو الماضية، بل بمعنى دوام الاستعداد للحرب القادمة».
من هنا تتبدى الحاجة الماسة إلى «هندسة السلام العالمي»، الذي يسمح بتعايش الأمم وتلاقي الشعوب، مع الاحتفاظ بالهويات الخاصة، وفي الوقت عينه، من دون أن تصبح منطلقاً للصراع وتتحول إلى هويات قاتلة. سلام يجمع الكثيرين في السعي وراء بحث مشترك نحو قيم أسمى وأرقى يستفيد منها الجميع عبر أرجاء الكون وقارته، وصولاً إلى الفضاء الخارجي، والذي يقول الراوي إنه صار ملعباً للتسلح وهذه قصة أخرى.
عالمنا ينبغي أن يتوحد لمواجهة الأخطار، لا سيما بعد أن بات عائلة معولمة واحدة، تحتاج لأريحية أممية تتسع للجميع، وشراكات خلاقة تبني ولا تهدم، توفق ولا تفرق.
البشرية المنغلقة على ذاتها، براً وبحراً، ممرات ومضائق، إنسانية بائسة منهزمة. وهناك لحظات مثيرة في أضابير التاريخ، لا يصح فيها التساؤل عمن انتصر أو من انهزم، من يمتلك القوة، أو يفتقر إليها، وإنما يصبح السؤال الأعمق: هل يستطيع البشر أن يستمروا معاً على سطح الكوكب الأزرق؟
شرايين الحضارة الإنسانية في حاجة إلى دماء جديدة نقية تعيد للروح الإنسانية ربيعها الجديد.