مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة

مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة!

مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة!

 السعودية اليوم -

مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

في لبنان وفي غيره، حين تكون الطائفة، أي طائفة، في عزِّ قوِّتها وعنفوانها، واثقة بسلاحها ومكتفية بعلاقاتها الخارجيّة، يستحيل أنْ ينشأَ مشروعٌ وطنيٌّ. حصل هذا مرَّتين سابقاً، لكنْ لم يكن هناك مشروعٌ وطني أصلاً. المرّة الأولى، حين اشتدَّ عودٌ طائفي بقوَّة سلاح المقاومة الفلسطينيَّة، والمرَّة الثانية، حين اشتدَّ عودٌ طائفي مضادٌّ بسلاح الاجتياح الإسرائيليِّ.

اليوم، في المرّة الثالثة، يشتدّ عود طائفي ثالث فيما هناك مشروع وطني يولد. هذا يرتّب فارقاً ملحوظاً: في الحالتين السابقتين، أمكن للمشروعين الطائفيين تلفيقُ وطنيّة ما والتظاهر بالاستحواذ عليها: في الحالة الأولى، رُبطت هذه الوطنيّة «اليساريّة» بمقاومة إسرائيل، والاستعمار والإمبرياليّة استطراداً. فوق هذا، استطاعت تلك الطائفيّة المموّهة أن تزعم امتداداً اجتماعيّاً وإصلاحياً لتلك الوطنيّة. في الحالة الثانيّة، رُبطت الوطنيّة «اليمينيّة» بمقاومة «الغرباء» وبضبط السلاح وتوفير الاستقرار حفاظاً على وضع قائم موصوف بـ«التفوّق». كمال جنبلاط من جهة، وبشير الجميّل من جهة أخرى. الاثنان اُغتيلا كزعيمين لفئتين كلٌّ منهما تقول إنّها لبنان.

في الحالة الراهنة، سوف تزداد صعوبة زعمٍ كهذا، زعمٍ يستحوذ على الوطنيّة، أو حتّى يتقاطع معها. يكفي أن نعودَ أيّاماً قليلة إلى الوراء، إلى «العرض المدنيّ» لعشرات الآلاف بمناسبة عيد الاستقلال، كي نلاحظ أنّ الوطنيّة الوليدة تستكمل عدّتها، وهي تفعل ذلك في مكان تفصله مسافة ضوئيّة عن مكان «حزب الله». لقد بدا ذاك الاحتفال بالاستقلال استقلالاً: عن خشبيّة الاحتفالات السابقة بالمناسبة نفسها. عن العازل الإضافي الذي كانت تقيمه المناسبة نفسها بين الشعب و«المدنيين» من جهة والسلطة والعسكريين من جهة أخرى. عن فوقيّة المناسبة التي حلّ محلّها خيار قاعدي يصعد من تحت. عن لغة ميّتة يمكن قولها في أي وقت وعن أي ذكرى. عن معانٍ بليدة وفولكلوريّة لا يصنعها أحد ولا يشارك فيها أحد... لكنّ المناسبة نفسها كانت أيضاً انفصالاً عن طريقة لا تقلّ سخافة في نقد الاستقلال: «لم ندفع الدم ثمناً له. حقّقنا الاستقلال السياسي ولم نحقّق الاستقلال الاقتصاديّ. إنّه استقلال مفتعل لبلد مفتعل...»... هذه أيضاً حجج دُفنت مع الحجج التي احتجّت عليها.

بلغة أخرى، نزل اللبنانيّون الجدد إلى الساحة ليرفضوا طاقماً كاملاً من الأفكار والتصوّرات. ليعلنوا تمسّكهم بوطن ينبغي أن يتأسّس على قواعد غير القواعد التي تأسّس عليها وأفضت إلى ما انتهينا إليه.

أهل السلطة، في المقابل، أعادوا تمثيل الاحتفال الذي مثّلوه عاماً بعد عام منذ 1943. هذه المرّة بدوا فائضاً لا لزوم له. بدوا مضحكين ومحزنين في وقت واحد.

وراء ذلك كلّه أنّ المشروع الوطني اللبناني قطع بالفعل شوطاً بعيداً على طريق التشكّل الذاتيّ. مقاومة «حزب الله» بدت خارجه كلّيّاً. هنا، لا بأس بالقول إنَّ الحزب المذكور بتكوينه، كحزب طائفي وديني في وقت واحد، قليل التأهيل للتعايش مع مشروع وطني هو تعريفاً ضدّ – طائفيّ. حزب ديني فقط؟ قد يتعايش. حزب طائفي قابل للتكيّف؟ ربّما. أمّا مع حزب ديني وطائفي معاً، فهذا صعب. كذلك يصطدم بالوطنيّة مدى إيرانيّة الحزب التي تتجاوز نوعيّاً أي انجذاب داخلي إلى طرف خارجيّ. هنا، ليس الأمر مجرّد تأثّر بنموذج، أو مجرّد ولاء دينيّ، أو مجرّد تقليد في الملبس والسلوك والشعائر، أو مجرّد مساعدة ماليّة، أو مجرّد تسلّح. هنا، تجتمع هذه الأبعاد كلّها في علاقة فريدة، علاقة يصعب أن تهضم الوطنيّة أو تهضمها الوطنيّة. أضيفت عناصر أخرى تعقّد العلاقة بين الطرفين: فهو، بتدخّله في سوريّا، استفزّ قطاعات عريضة جدّاً من اللبنانيين ذوي المصلحة في التغيير. وهو، بالتحريم الذي أحاط به قائده، استفزّ كلّ وعي ديمقراطي وكلّ ميل نقدي تتباهى بهما الوطنيّة الجديدة. أهمّ من ذلك أمران آخران: أنّ طريقة الحزب في تفادي الخطر الإسرائيلي ليست موضع إجماع، وثمّة لبنانيّون كثيرون يرون أنّ هذه الطريقة، المفروضة عليهم، أفدح كلفة من كلفة الخطر نفسه، أمنيّاً كما اقتصادياً وسياسياً. الأمر الثاني أنّ متطلّبات الظرف الراهن، لا سيّما الحصار المفروض على إيران وحلفائها، وانتفاض العراقيين والإيرانيين، تهدّد اللبنانيين بمزيد من التضحيات، وأولاها التضحية بمشروعهم لبناء الوطن. بالتالي: مصالح الحزب في مواجهة «الهجمة الأميركيّة»، باتت تتطابق تماماً مع مصالح التركيبة التي يثور الشعب عليها. المقاومة صارت إذاً مشروعاً بارداً وبائداً، خائفاً من الوطنيّة الجديدة ومخيفاً لها. حجج الحزب التآمريّة لا تقنع، فيما يتأدّى عن تمركزه الذاتي انفضاض حلفاء له سبق أن نسبوا إليه أبعاداً أغنى. بعض اليساريين الذين ظنّوه حليفاً في المعركة الاجتماعيّة اكتشفوا أنْ لا حليف له سوى العونيين.

هنا تكمن المعضلة التي يصعب تجاهلها بقدر ما يصعب حلّها، والتي قد تُنهي الوطن نفسه. فإذا كانت المعرفة بالواقع تفرض على الوطنيّة اللبنانيّة غضّ النظر عن مسألة السلاح، بانتظار أن يقضي الله أمراً، فالمعرفة بالواقع عينه تمنع «حزب الله» من غضّ النظر عن الوطنيّة اللبنانيّة الوليدة. اعتداءات جسر الرينغ وساحتي الشهداء ورياض الصلح ومدينة صور تقطع بهذا.

arabstoday

GMT 09:20 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

أخبار المتزوجين

GMT 09:15 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

أخبار من ايران وغيرها

GMT 05:49 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

«قيصر» يقتحم أبوابكم!

GMT 04:28 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

3 سنوات قطيعة

GMT 04:19 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

مسكين صانع السلام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة مصادر التناقض بين «حزب الله» والوطنيّة اللبنانيّة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
 السعودية اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 السعودية اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 12:13 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

العراق يشترى 30 ألف طن من الأرز فى مناقصة

GMT 22:45 2015 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

فوائد الردة لتنشيط الدورة الدموية

GMT 04:37 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

نتانياهو يؤكد أنه لن يستقيل في حال اتهامه بقضايا فساد

GMT 03:28 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات الإثيوبية تفتح مخيمات إجبارية لإعادة تأهيل الشباب

GMT 09:23 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

نادي أحد يحتفل بعودة إسلام سراج للتدريبات

GMT 03:27 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

الغيرة عند أبنائك وكيفية علاجها

GMT 18:27 2018 السبت ,28 تموز / يوليو

جفاف المشاعر بين الزوجين يدمر البيوت

GMT 16:56 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

الحاج علي يعلن برنامج معرض القاهرة للكتاب 15 كانون الثاني

GMT 19:36 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

الإعلامية رشا نبيل تخصص حلقة "كلام تاني" للتضامن مع القدس

GMT 03:48 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

طاهٍ أردني يُسطّر قصة نجاحه في مطعم محمية عجلون

GMT 05:42 2017 الخميس ,26 تشرين الأول / أكتوبر

طليق سمية الخشاب يُطارد أحمد سعد بعد حفلة زواجه

GMT 20:57 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار جديدة ورائعه لمدخل المنزل لديكور عصري أنيق ‏

GMT 06:14 2016 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

دعم شرفي لفريق نادي "هجر" قبل لقاء "الدوحة"

GMT 05:50 2016 السبت ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

عن ترامب وبقية شعبويّي الغرب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon