الحرب وثمن الصورة

الحرب وثمن الصورة

الحرب وثمن الصورة

 السعودية اليوم -

الحرب وثمن الصورة

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

الزمان: 9 يناير (كانون الثاني) 1991.

المكان: فندق «إنتركونتيننتال» في جنيف.

تركزتْ أنظارُ العالمِ علَى هذَا المَكان وتوافدَ الصّحافيون إليهِ من أماكنَ قريبةٍ وبعيدة. كانَ قرارُ مجلسُ الأمنِ واضحاً لجهةِ مطالبةِ العراقِ بانسحابٍ فوريّ وَكاملٍ من الكويت التي اجتاحَها وكانتِ المهلةُ علَى وشكِ النَّفاد. أعطَى جورج بوش الأب فرصةً أخيرةً لإقناعِ صاحبِ القرارِ فِي بغدادَ بأنَّ العالمَ مُصرٌّ على طَي صفحةَ الغزو. وسادَ الاعتقادُ في عواصمِ الشَّرقِ الأوسطِ وخارجَه، بأنَّ الاستحقاقَ كبيرٌ وخطرٌ، وأنَّ النَّارَ تنتظرُ إشارةً للاندلاع.

دخلَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركي جيمس بيكر من جهةٍ، ودخلَ نظيرُه العراقي طارق عزيز من الجهةِ المقابلة وجلسَا. ألحَّ الصّحافيون على صورةِ مصافحةٍ فَمُنحت لهم. ابتسمَ عزيز قليلاً وأصرَّ بيكر على وجهٍ بلا تعبير. في الخَارج بلغتِ الإثارةُ أقصاها. طالتِ المفاوضاتُ وثمةَ من توهَّمَ أنَّ الوزيرين انهمكَا في صياغةِ بنودِ الحل. بعد نحوِ سبعِ ساعاتٍ انتهَى اللقاءُ «التاريخيّ» باستحالةِ التَّفاهمِ، وبعدَ ثمانيةِ أيَّامٍ ستنطلقُ حربُ تحريرِ الكويت.

الزمان: 26 فبراير (شباط) 2026.

المكان: القنصلية العمانية في جنيف.

علَى جانبٍ من الطَّاولةِ جلسَ وزيرُ الخارجيةِ الإيراني عباس عراقجي، وجلسَ في الجهة المقابلةِ ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. في أوساطٍ كثيرةٍ سادَ انطباعٌ أنَّ المفاوضَ الإيرانيَّ سيؤكّد الصورةَ الشائعةَ عن براعته وسيأخذ في الاعتبارِ عنصراً مهماً. والعنصرُ أنَّ صاحبَ القرارِ في البيت الأبيض هو دونالد ترمب الذي أمرَ بقصفِ المنشآت النووية الإيرانية بعدمَا كانَ أمرَ قبل سنوات بقتلِ الجنرال قاسم سليماني قربَ مطار بغداد.

لم تصدق توقعاتُ المتفائلين. لا عزيز استقبلَ بيكر بالمرونةِ الضرورية لتفادي الحرب، ولا عراقجي فعل. في اللقاء الأولِ طالبَ عزيز بتسويةِ كلّ نزاعات المنطقة ورفضَ نقلَ رسالة بوش إلى صدام حسين لأنَّه شمَّ رائحةَ تهديد فيها. وفي اللقاءِ الثاني امتنعَ عراقجي عن تقديمِ أي هديَّةٍ يمكن أن تساعدَ ترمب على القول إنَّه نجحَ في إحداث تغيير ما في الموقف الإيراني. ويقول ويتكوف إنَّ عراقجي لم يُظهر حسنَ نيَّةٍ وتباهَى بقوةِ بلادِه، ولجأ أيضاً إلى الصّراخ. فشلَ اللقاءُ وبعدَ يومين انطلقتِ الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

أعرف تماماً الفرقَ بين الحقبِ والرجال والإطار. نظام «الثورة الإسلامية» في إيرانَ لا يشبه نظام «البعث» العراقي، والمرشدُ علي خامنئي جاءَ من قاموس بعيدٍ تماماً عن القاموس الذي جاءَ منه صدام حسين، وإيرانَ عراقجي بعيدة تماماً عن عراق طارق عزيز. ما دفعني إلى المقارنة شيء مختلف. هالني بعد لقاء جنيف أن يكونَ رجل مثل طارق عزيز بخلفية صحافية ودبلوماسية لم يستطع المشاركةَ في تفادي الحرب. لهذا حرصتُ على طرح السؤال على مجموعةٍ من الذين عملوا مع صدام، وبينهم من عملوا في قصره نفسِه وربطتهم علاقةُ صداقةٍ مع عزيز. وفاجأني الجواب أنَّ عزيز كانَ مدركاً للأخطار التي يمكن أن تترتَّبَ على العراق إذا تمسك بموقفه، لكنَّه لم يستطع إقناع صاحبِ القرار بذلك، أو لم يتمكَّن من التعبير بصراحة كاملة أمام صاحب القرار، لا سيما في اجتماع القيادةِ القطرية للحزب.

وسمعت من الرَّجل الذي استمعَ إلى أوَّل اتصالٍ بعد الغزو بين الملكِ حسين والرئيسِ العراقي، أنَّ العاهل الأردني لفته بدبلوماسيةٍ إلى خطورةِ الوضع، وكأنَّه يلمح إلى أنَّ المخرج بالانسحاب إلى الحدود الدولية.

هل كانَ عراقجي في وضعٍ يشبه وضعَ عزيز وفضّل ألَّا يُتّهم بالخيانة أو التفريط فوقعت المنطقة في دائرة النار التي لا تزال مشتعلة؟ وهل دفع العراق ثمن خوف صدام من أن تنزلَ صورته في التاريخ كرجل انحنَى أمام شروط «الشيطان الأكبر»؟ وهل دفعت إيرانُ والمنطقةُ ثمنَ رفض المرشد أن تلحق بصورته الأضرار التي يمكن أن يرتبَها التنازلُ عن الحلم النووي والقبول بمناقشة مدى الترسانة الصاروخية والعلاقة بـ«الأذرع»؟

ثمة من يعتقد أنَّ هاجسَ الصورة لعب دوراً في اندلاع الحرب، وأنَّ سيد البيت الأبيض شعر بعد الاستماع إلى ويتكوف، بأنَّ حائكَ السّجاد الإيراني يعامله كأسلافِه، ويحاول استنزاف صورته وصورة «أميركا العظيمة». ولا مبالغة في القول إنَّ عقدةَ الصورة قد تعقد جهود وقف النار. كيف ستبدو صورة إيرانَ بعد وقف النار وهي التي خسرت في لحظة انطلاق الحرب مرشدَها وعدداً من قادتها، وخسرت بعدَهم أجزاءَ من ترسانتها ومصانعها وقدراتها؟ وهل يستطيع مجتبَى خامنئي المرشدُ الجديدُ والجريحُ، القَبولَ بصورةٍ ضعيفة له ولنظامه وبلاده؟ وهل يستطيع «الحرس الثوري» القبولَ بصورة الضعيفِ أو المنكسر وهو عملياً العمود الفقري للنظام خصوصاً في ظلّ المرشد الجديد؟

من المبكر التكهن بصورة ما بعد حرب لا تزال مفتوحةً على مصراعيها. هل تدفع الصورةُ إيرانَ الجريحة أو المنهكة إلى استنتاج أنْ لا مظلة تحميها إلا القنبلة النووية؟ وماذا عن القوى الأخرى في المنطقة خصوصاً بعدما ارتكب النظامُ الإيراني خطيئةَ الاعتداء على دول رفضت الانخراطَ في الحرب أو تسهيلها؟

ثم كيفَ ستكون صورةُ إسرائيلَ وصورةُ بنيامين نتنياهو الذي جنَّب إسرائيل أخطار مواجهة إيران منفردة؟ وكيف تكون صورةُ نتنياهو نفسِه إذا اختار ترمب إعلانَ الانتصار وإبعاد الأساطيل؟ وإلى متى يستطيع الشرقُ الأوسط احتمالَ صور القاذفات والصواريخ والمسيرات والنَّار الجوالة في منطقة تحتضن شرايين الطاقة التي لا يستطيع العالمُ العيشَ من دون تدفقها؟ عندمَا يُعلن وقفُ النار سيدَّعِي كل فريق أنَّه انتصر. إنَّه الشّرقُ الأوسط الرهيب. يعالجُ اللاعبون خسائرَهم بمضاعفتها.

arabstoday

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

GMT 23:55 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

الزيدي بين حزم الكاظمي وليونة السوداني

GMT 23:53 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

الحرب الإيرانية تُعيد ربط باكستان بأميركا!

GMT 23:49 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

عصفوران بحجر إيراني

GMT 23:47 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

السعى نحو السلام

GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب وثمن الصورة الحرب وثمن الصورة



يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - السعودية اليوم

GMT 09:41 2019 الخميس ,01 آب / أغسطس

تعيش أجواء مهمة وسعيدة في حياتك المهنية

GMT 19:18 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

يتيح أمامك هذا اليوم فرصاً مهنية جديدة

GMT 05:31 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

إعتمد الليونة في التعامل مع الآخرين

GMT 16:12 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 01:07 2017 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

النصر يوافق على انتقال عبدالرحمن الشمري إلى الرائد

GMT 07:50 2020 السبت ,25 إبريل / نيسان

حكم مشاهدة الأفلام والمسلسلات في رمضان

GMT 07:51 2020 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

كوروناليزم

GMT 11:52 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

انقسام إداري في الاتحاد حول مصير المدرب الكرواتي بيليتش

GMT 09:30 2017 الأربعاء ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مقتل 3 عناصر من تنظيم "داعش" شمالى محافظة الأنبار

GMT 00:14 2017 الأحد ,25 حزيران / يونيو

الطبعات المرقعة من أحدث صيحات صيف 2017

GMT 01:44 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

ريم البارودي تواصل تصوير "السبع بنات" في 6 أكتوبر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon