بينما يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اقتراب اتفاق تجاري جديد مع كندا، يضع رئيس الوزراء مارك كارني مجموعة من الشروط السياسية والاقتصادية أمام أي تفاهم مع واشنطن، في مفاوضات تتجاوز الرسوم الجمركية إلى شكل العلاقة بين البلدين وحدود النفوذ الأميركي على القرار الكندي.
وقال ترامب، خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا الأحد، إن الولايات المتحدة وكندا باتتا "قريبتين جدًا" من إبرام اتفاق، مشيرًا إلى وجود تصور لصفقة وصفها بأنها ستكون مفيدة للمزارعين الأميركيين والاقتصاد الأميركي، وكذلك لكندا. كما كشف أن مشروع خط أنابيب "كيستون إكس إل" مطروح ضمن التصور، وأن كندا ستتولى تمويله، بينما ستحدد واشنطن مساره.
شروط كندا
لكن حديث ترامب عن اتفاق قريب يقابله موقف كندي أكثر حذرًا؛ إذ وصف كارني محادثته مع الرئيس الأميركي بأنها "جيدة"، لكنه ربط الاتفاق المنتظر بتحقيق منافع متبادلة، تشمل توفير فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب الاحترام الكامل للغات كندا وثقافتها وسيادتها.
وقال كارني، في منشور عبر منصة "إكس"، إن فرق التفاوض ستعمل خلال الأسابيع المقبلة للتوصل إلى هذه النتيجة، بما يعكس أن المحادثات لا تزال في مرحلة رسم ملامح الاتفاق، ولم تصل بعد إلى تسوية نهائية.
السيادة في قلب الخلاف
تكتسب إشارة كارني إلى السيادة أهمية خاصة في ضوء تعثر المفاوضات السابقة، بعدما علّقت أوتاوا المحادثات في أغسطس (آب) الماضي، معتبرة أن المطالب الأميركية الأخيرة غير مقبولة وتمس استقلالية القرار الكندي، إلى جانب خلافات تتعلق بحماية اللغة الفرنسية وقطاعات اقتصادية رئيسية.
ومنذ ذلك الحين، تبادل البلدان فرض الرسوم الجمركية على قطاعات وسلع مختلفة، لتتحول الخلافات التجارية إلى مصدر توتر سياسي بين جارين يرتبط اقتصاداهما بشبكة واسعة من المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، يطرح ترامب مشروع "كيستون إكس إل" ضمن التصور الجديد للاتفاق، وهو مشروع خط أنابيب لنقل النفط من مقاطعة ألبرتا الكندية إلى الولايات المتحدة، سبق أن ألغت إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن التصريح الرئيسي الخاص به عام 2021. لكن لم يصدر حتى الآن تأكيد كندي بأن المشروع أصبح جزءًا متفقًا عليه من الصفقة.
اختبار للعلاقة
لا تقتصر أهمية المفاوضات على خفض الرسوم أو فتح أسواق جديدة، بل تمتد إلى قدرة كارني على التوصل إلى تفاهم مع واشنطن من دون تقديم تنازلات تمس أولويات بلاده، في وقت يسعى فيه ترامب إلى إعادة صياغة شروط التجارة مع الشركاء الأميركيين.
وبينما يقدم رئيس البيت الأبيض الاتفاق باعتباره قريبًا ومفيدًا للطرفين، يتمسك كارني بأن أي صفقة يجب أن تحقق مصالح الكنديين وتحترم سيادة بلادهم، لتبقى الأسابيع المقبلة اختبارًا لقدرة الجانبين على تحويل التصريحات الإيجابية إلى اتفاق فعلي.
عامان من التوترات
لم تكن الأزمة الحالية سوى حلقة جديدة في سلسلة من التوترات التي بدأت حتى قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، عندما لوّح بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الواردات الكندية، قبل أن يربطها لاحقًا بتهديدات متكررة لضم كندا إلى الولايات المتحدة باعتبارها "الولاية الحادية والخمسين"، واصفًا رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو بـ"الحاكم" وليس رئيس حكومة البلاد.
ومع تولي مارك كارني رئاسة الحكومة، لم تتراجع حدة الخلاف؛ إذ دخل البلدان في حرب رسوم جمركية متبادلة، امتدت إلى قطاعات الصلب والألومنيوم والسيارات، فيما ردت أوتاوا بإجراءات مضادة، ورفع كارني شعار الدفاع عن استقلال القرار الكندي، مؤكدًا أن بلاده ليست للبيع.
وتجددت المواجهة خلال عام 2026 على خلفية الخلافات التجارية ومواقف كندا من الصين، قبل أن تتعثر المفاوضات مجددًا في أغسطس (آب)، لتبقى العلاقة بين البلدين رهينة التوتر بين المصالح الاقتصادية والضغوط الأميركية على السيادة الكندية.
قد يهمك أيضا
أرسل تعليقك