لندن - السعوديه اليوم
كشف تحليل حديث أجراه فريق تقصي الحقائق في بي بي سي عن وجود شبكات واسعة من الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي الناطقة بالعربية تعمل على تضخيم روايات متضاربة تتعلق بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران. وتُظهر البيانات أن هذه الحسابات تنشط بشكل منسق لنشر محتوى مؤيد لطهران من جهة، ومحتوى معارض لها من جهة أخرى، في محاولة للتأثير في النقاشات العامة حول الصراع في المنطقة.
وأظهرت نتائج التحليل وجود شبكتين رئيسيتين على منصة إكس، تعملان في اتجاهين متعاكسين. الأولى تركز على تضخيم روايات مؤيدة لإيران وحلفائها الإقليميين، بينما تعمل الثانية على نشر محتوى ينتقد سياسات طهران ويعزز روايات مناهضة لها. وتشير المؤشرات إلى أن الشبكة المؤيدة لإيران أكبر حجماً وأكثر انتشاراً من الشبكة الأخرى.
اعتمد التحقيق على تحليل أكثر من 210 آلاف منشور صادر عن نحو 38 ألف حساب خلال الفترة بين أواخر فبراير وبداية مارس. وبلغ عدد المستخدمين الذين وصل إليهم هذا المحتوى أكثر من 322 مليون مستخدم، كما حصد نحو مليون إعجاب خلال تلك الفترة.
وباستخدام تقنيات تحليل الشبكات الرقمية، تبين أن النشاط داخل الشبكة المؤيدة لإيران يعتمد على بنية مركزية يقود فيها عدد محدود من الحسابات إنتاج المحتوى الأصلي، بينما تتولى آلاف الحسابات الأخرى إعادة نشره بسرعة كبيرة، أحياناً خلال ثوانٍ من نشره. ويُعد هذا النمط من السلوك مؤشراً شائعاً على الحملات المنسقة أو المؤتمتة التي تهدف إلى تضخيم انتشار الرسائل.
وكشف التحليل أن حسابات محددة لعبت دوراً محورياً في إنتاج المحتوى داخل هذه الشبكة، حيث نشرت آلاف الرسائل التي أعادت حسابات أخرى نشرها بكثافة. ويؤدي هذا التفاعل السريع والمتكرر إلى زيادة انتشار المحتوى على نطاق واسع داخل المنصة.
في المقابل، رصد التحليل أيضاً شبكة أصغر نسبياً تروّج لروايات معارضة لإيران. وقد شمل تحليل هذه الشبكة نحو 50 ألف منشور صادر عن حوالي 6 آلاف حساب. وأظهرت البيانات أن كثيراً من هذه الحسابات تنشر رسائل متطابقة تقريباً خلال فترات زمنية قصيرة، وهو سلوك يشير كذلك إلى احتمال وجود تنسيق أو استخدام أدوات نشر آلية.
وأشارت البيانات إلى أن بعض الحسابات في هذه الشبكة ترتبط جغرافياً بدول خليجية مثل السعودية والإمارات، حيث تضمنت صور ملفاتها الشخصية أعلام تلك الدول أو صور قادتها، كما حملت أسماء تعكس انتماءات وطنية واضحة.
ورصد التحقيق أيضاً انتشار محتوى مضلل عبر الحسابات في كلا الشبكتين. ففي إحدى الحالات، انتشرت صورة قيل إنها تظهر أهدافاً وهمية ثلاثية الأبعاد استخدمتها إيران لخداع إسرائيل، إلا أن التحقق أظهر أن الصورة مولدة أو معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد أعيد نشر هذه الصورة أكثر من 160 ألف مرة عبر حسابات مختلفة.
وفي مثال آخر، تداولت حسابات مقطع فيديو زُعم أنه يوثق انفجاراً في تل أبيب نتيجة ضربة صاروخية إيرانية، غير أن التحقيق كشف أن المقطع صُوِّر في بوخارست بعد انفجار في محطة للغاز المسال عام 2023، وكان متاحاً على الإنترنت منذ ذلك الوقت.
كما تم تداول مقاطع أخرى مضللة، من بينها فيديو زُعم أنه يظهر احتفال امرأة بسقوط النظام الإيراني، ليتبين لاحقاً أن الفيديو صُوِّر في المكسيك ولا علاقة له بالأحداث السياسية في إيران.
وأشار الخبراء إلى أن الحسابات في هذه الشبكات تتشارك خصائص متشابهة، مثل استخدام صور لشخصيات سياسية أو دينية، أو أسماء مستخدمين تحتوي على سلاسل عشوائية من الأحرف والأرقام، وهي سمات غالباً ما ترتبط بالحسابات الآلية أو التي يتم إنشاؤها بكميات كبيرة.
كما كشفت البيانات عن نشاط متزامن واضح بين مجموعات من الحسابات، إذ تنشر رسائل متطابقة تقريباً في الدقيقة نفسها أو خلال ثوانٍ قليلة، وهو نمط يتكرر في حملات التأثير الرقمي المنظمة.
ويرى خبراء في علوم البيانات أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت في السنوات الأخيرة ساحة صراع موازية للصراعات الجيوسياسية، حيث تُستخدم الحسابات المؤتمتة أو ما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني" لتضخيم روايات معينة والتأثير في الرأي العام.
ويشير المختصون إلى أن الأجيال الحديثة من هذه الحسابات أصبحت أكثر تطوراً بفضل استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ يمكنها إنتاج محتوى خاص بها بدلاً من مجرد إعادة نشر محتوى موجود، وهو ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة مقارنة بالحسابات المؤتمتة التقليدية.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
"بي.بي.سي" ترفض دعوى الـ 10 مليارات وتؤكد أن ترامب فشل في إثبات تعرضه للتشهير
صور مسرّبة لـ"بي بي سي" تكشف وجوه مئات القتلى خلال قمع الاحتجاجات في إيران
أرسل تعليقك