«حريتي أن أوسّع زنزانتي» 12

«حريتي أن أوسّع زنزانتي» (1-2)

«حريتي أن أوسّع زنزانتي» (1-2)

 السعودية اليوم -

«حريتي أن أوسّع زنزانتي» 12

عمار علي حسن

«حريتى أن أوسّع زنزانتى».. كثيراً ما يردد كتّاب عرب كثر هذا المقطع الشعري الرائق والعميق الذى أبدعته قريحة محمود درويش، كلما هموا ليكتبوا حروفهم على الورق، أو ينطقوا بها عبر الإذاعات والفضائيات، معتبرين، أو حتى متوهمين، أن ممارسة الكتابة أو جريان الكلام على اللسان تقربهم من التحرر والخلاص الذى ينشدونه، والذى دفع كثيرون منهم فى سبيله ما فوق طاقتهم من العرق والدم والدموع والوقت والجهد والأحلام المجهضة.

وحين اندلعت الثورات تهلل هؤلاء ودقوا الهواء بأيديهم وصرخوا: ها قد جاءت لحظة التحرر التى انتظرناها طويلاً حتى اشتعلت الرؤوس شيباً وشاخت النفوس، لكن هذه اللحظة سرعان ما تبخرت تحت وطأة الإرهاب والعسكرة والفوضى والقتل والتشرد والأطماع الرخيصة واهتزاز الدول وعشوائية الكيانات الاجتماعية وتأخر الثورة الفكرية والإصلاح الدينى.

كأن «درويش» يلخص بعبارته تلك حال الكاتب العربى، قبل الثورات والانتفاضات وبعدها، فما إن خطفه الحلم إلى حرية مجنحة، حتى رده الواقع الأليم إلى رغبة فقط فى توسيع الزنزانة، أو تحسين شروط الحياة القاسية داخل السجن الكبير. ومثل هذا التصرف هو ما يفعله المتفائلون، أما اليائسون فينسحبون داخل نفوسهم المهيضة، ويسحبون جدران الزنازين المظلمة لتضيق عليهم أكثر.

لكن هؤلاء وهؤلاء لا يحجبون أبداً أولئك الذين لا يغادرهم الأمل فى تحصيل الحرية مهما طال الزمن وزاد العناء، حرية التفكير والتعبير والتدبير، كاملة غير منقوصة، ومبدئية لا مساومة عليها، وثمينة لا موضع لمقايضتها بأى شىء، لا بالأمن ولا بالخبز، فلا شىء يغنى عن الحرية، ومن يطلب أمنه على حساب حريته لا يستحق أمناً ولا حرية.

لكن مع شعار «تدرجوا واصبروا حتى تنضجوا فتنالوا حريتكم» المرفوع فى وجه كل من يريد حرية حقيقية «الآن.. وهنا» يغلب منطق المتشائمين الذى يقوم على أنه لم يعد أمام كل منا سوى أن يحمل زنزانته فوق ظهره، فتسير معه فى غدوه ورواحه، وحله وترحاله، وليس له أن يتخفف أو يتخلص منها، بل عليه فقط أن يترك ظهره ليعتاد على التحمل مهما طال الطريق، أو يتودد إلى الزنزانة فلا تُثقل من حمولتها فتعجزه عن السير تماماً، وهكذا حتى يصل إلى «المحطة الأخيرة» من عمره المترع بالشقاء، ويغمض عينيه، لينعم بالحرية الأخيرة والأبدية فى العالم الآخر.

المشكلة فى مثل هذا المسار، فى دنيا الناس، أن الزنزانة متعددة الجدران، فلا يكفى أن نهدم أحدها أو نصنع به كوة كافية لتهريب أجسادنا وأرواحنا منها حتى نجد أنفسنا أحراراً طليقين، بل علينا إما أن نمارس لعبة ترويض الوقت، أو أن نبحث عما نزيل به الزنزانة تماماً، وعندها علينا أن نتحمل نتيجة المغامرة، فإما التحرر وإما الموت، أو الموت فى سبيل الحرية.

ويقول الخائفون والمترددون منا: علينا قبل أن نقرر ماذا سنفعل أن نقرأ موسوعة الباحث العراقى عبود الشالجى التى سماها «موسوعة العذاب» ليسرد فى ثمانية مجلدات كاملة طرق تعذيب السجناء والمتمردين على السلاطين الجائرين فى التراث العربى، ونضيف إليها ثمانية مجلدات أخرى من صنع خيالنا، أو نتاج بحثنا أو تجربتنا، عن التعذيب عند العرب المعاصرين، الذين ما إن تخلصوا من صدام حسين ومعمر القذافى حتى سقطوا فى أفخاخ «القاعدة» وفروعها، و«داعش» وأتباعها، و«الحوثى» وأنصاره، دون أن يرحل كثير من المستبدين التقليدين والتاريخيين الذين تتبدل ظروف الناس حولهم وهم على قسوتهم قابضون.

قد تنفعنا فى هذه الحالة قراءة روايات عبدالرحمن منيف وصنع الله إبراهيم، ويمكن أن نختتم هذه القراءات بروايتين خفيفتين «العسكرى الأسود» ليوسف إدريس و«السرداب رقم 2» للعراقى يوسف الصائغ، لكننا قد نجد أنفسنا نعانق الخوف مع أحمد سعداوى نبحث عن «فرانكشتاين فى بغداد» أو دمشق، سيان، وبقية العواصم العربية ليست أحسن منهما سوى فى أن درجة الخوف أخف قليلاً، أو أنها مؤجلة بعض الوقت، أو هناك من يضغطون على أنفسهم بقسوة حتى يتفادوها، بدفع شىء آخر أو قيمة أخرى، قد تكون أجدى وأنفس.

ويُسدى هؤلاء الخائفون النصح إلى من يتهم بعض الباحثين بالانزلاق نحو التحيز والانتقاء المتعمد الذى يحرف الحقائق، وإلى من يعتقد فى أن كل ما بالروايات من صنع الخيال، بأن يقرأ ما كتبه معارضون عن تجربتهم فى سجون الحسن الثانى وحافظ الأسد ونجله الذى يهدم سوريا على رؤوس أهلها فى سبيل كرسيه الذى لم تتبق فيه سوى رجل واحدة، وكذلك ما كتبه الشيوعيون عن عذابهم المرير فى سجون صدام وقبله فى سجون عبدالناصر، والمتطرفون الإسلاميون فى أقبية القذافى، وليتجول فى السير الذاتية للمناضلين أو الرافضين العرب من المحيط إلى الخليج، سيجد أينما حل زنازين، كما تسمى فى مصر، أو مهاجع كما يطلقون عليها فى العراق والشام.

أما المتفائلون ممن لديهم العزم والجرأة على تحدى كل هذا دفعة واحدة، فسيهدمون الجدار الأول فى زنازيننا، جدار السلطة السياسية الغشوم الذى بُنى من التجبر والتسلط والفساد، فتنقص الحمولة الثقيلة الجاثمة فوق ظهورنا، ويكون بوسعنا أن نزيد من تلاحق خطواتنا إلى الحرية، خاصة إن كنا عازمين على هدم الجدار الثانى، دفعة واحدة، أو حتى لبنة لبنة حتى يغمرنا النور والبراح.

(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى).

arabstoday

GMT 19:44 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 19:42 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 19:40 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 19:37 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 19:35 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 19:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

GMT 19:16 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

معركة الرئاسة في الوفد

GMT 19:13 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

يوسف شاهين ومحمود مرسي.. «ماذا لو»؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«حريتي أن أوسّع زنزانتي» 12 «حريتي أن أوسّع زنزانتي» 12



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
 السعودية اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 السعودية اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 12:13 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

العراق يشترى 30 ألف طن من الأرز فى مناقصة

GMT 22:45 2015 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

فوائد الردة لتنشيط الدورة الدموية

GMT 04:37 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

نتانياهو يؤكد أنه لن يستقيل في حال اتهامه بقضايا فساد

GMT 03:28 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات الإثيوبية تفتح مخيمات إجبارية لإعادة تأهيل الشباب

GMT 09:23 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

نادي أحد يحتفل بعودة إسلام سراج للتدريبات

GMT 03:27 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

الغيرة عند أبنائك وكيفية علاجها

GMT 18:27 2018 السبت ,28 تموز / يوليو

جفاف المشاعر بين الزوجين يدمر البيوت

GMT 16:56 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

الحاج علي يعلن برنامج معرض القاهرة للكتاب 15 كانون الثاني

GMT 19:36 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

الإعلامية رشا نبيل تخصص حلقة "كلام تاني" للتضامن مع القدس

GMT 03:48 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

طاهٍ أردني يُسطّر قصة نجاحه في مطعم محمية عجلون
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon