«عماد الدين أديب» والمؤامرة 22

«عماد الدين أديب» والمؤامرة (2-2)

«عماد الدين أديب» والمؤامرة (2-2)

 السعودية اليوم -

«عماد الدين أديب» والمؤامرة 22

عمار علي حسن

كما وعدت بالأمس فى مناقشتى لأطروحة الأستاذ عماد الدين أديب حول مؤامرة تقسيم الدول العربية أن أعرض سبل العلاج التى تختلف عما هو سائد لدى المتعجلين من استعادة البطش والقهر والتسلط والظلم باسم الحفاظ على الدولة، وهنا ما أراه:
1- الطوعية: فالاندماجات التى تتم قسراً لا يمكنها أن تعيش طويلاً، لأنها تحتفظ طيلة الوقت بجدر تهبط وتعلو بين الجماعات المندمجة رغماً عنها، فتبقى فى أحسن الأحوال متجاورة، يتحين كل منها الفرصة لينقض على الآخر، أو يتحلل من الرابطة التى تجمعه به. والمثل الناصع تاريخياً على هذا هى الإمبراطوريات التى تلاحقت على حكم البشرية طيلة القرون التى سبقت قيام «الدولة القومية»، ففى توسعها ضمت أجناساً وأتباع أديان ومذاهب ولغات وأعراقاً عديدة، ودمجت بينهم عنوة، وظل هذا الدمج القسرى قائماً ردحاً من الزمن، من دون أن يتحول فى أغلب الأحيان والمناطق إلى انصهار اجتماعى تام. ولهذا ما إن فلتت قبضة السلطة المركزية فى هذه الإمبراطوريات حتى تمردت عليها الجماعات المجبرة على الانضواء تحت لواء الإمبراطور وانفصلت تباعاً فى كيانات مستقلة.
أما المثل الناصع فى العالم الحديث فهو الاتحاد السوفيتى السابق، الذى قام على ضم قوميات وعرقيات وأصحاب ثقافات وديانات بالقوة المسلحة ضمن هذا الكيان الإمبراطورى الكبير، الذى ما إن تراخت قوته، حتى تفكك إلى دويلات عدة. وهناك أيضاً الاتحاد اليوغوسلافى الذى راح يتفكك قبل أن تطوى الألفية الثانية سنواتها المديدة.
2- الخصائص البنيوية المشتركة: وهى تتوزع على مسارات متعددة تؤدى جميعها إلى تماسك «التيار الاجتماعى العريض» ومنها ما يتعلق بالقيم الاجتماعية السائدة والمتوارثة والتى إن تجددت لا تخل بهذا التماسك ولا تهزه فجأة فتنتج تصدعات وتشققات تضر به. ومنها ما يرتبط بالثقافة التى تحكم الأذهان والأفهام وتصقلها، وتحدد السلوك وتعيّنه، فهذه الثقافة بما تنطوى عليه من معارف وقيم وتوجهات يمكنها أن توظَّف لبناء الوعى الذى يؤسس للتعايش وقبول الآخر من حيث المنشأ، ثم يفتح الطريق أمام البحث الدائم والدائب عن الانصهار الوطنى. ومنها كذلك ما يرتبط بالجوانب الاقتصادية ومقتضيات السوق التى تبنى شبكة من المصالح بين الفئات والشرائح والطوائف تجعلها حريصة على أن تبقى علاقات جيدة مع الكتل الاجتماعية المغايرة. وهناك أيضاً الأبنية السياسية التى بوسعها أن تلعب الدور الأكبر والأهم فى إيجاد تلاحم بين أبناء الوطن الواحد، مهما توزعت هوياتهم على اتجاهات عدة، فالأحزاب السياسية والبرلمانات يمكن فى الدولة الديمقراطية أن تكون معامل لصهر أتباع مختلف الهويات ودفعهم فى سبيل إيجاد حلول لمشكلات تواجه المواطنين كافة، وتشريع ما يخدم الجميع. ويمكن أيضاً أن تكون المؤسسات البيروقراطية والجيش والمعاهد التعليمية أماكن جيدة لتعزيز التعايش والانصهار الوطنى، من خلال إتاحة الفرص المتلاحقة لمنتمين إلى هويات متعددة فى أن يتفاعلوا فى مكان واحد، وينفتحوا على أفكار وسلوكيات غيرهم.
3- الإطار العادل: فالدستور الذى يحكم التصورات والممارسات داخل الدولة يجب ألا يفرق بين المواطنين على أى من الاختلافات القائمة بينهم، بل تسوى نصوصه بين الجميع فى الحقوق والواجبات. ولو حمل دستور بلد أو قوانينه ما يميز بين مواطنيه على أى من أسس الاختلاف فإن هذا أمر جد خطير، ويفتح الباب على مصراعيه أمام ظهور أفعال اضطهاد سواء على مستوى الأفراد أم المؤسسات. ولا يجب الاكتفاء بالنصوص التى تقيم العلاقة بين المواطنين على أساس التساوى والتماثل، بل من الضرورى أن تنتقل هذه النصوص إلى عالم الواقع، فتتحول من مجرد سطور إلى سلوك وتدابير.
4- الرابطة العاطفية: فمن الضرورى أن تكون هناك نقطة موحدة تنجذب إليها مشاعر الجماهير، وتكون الأكثر سطوعاً من أى نقاط أخرى جاذبة، يمكن أن تشتت ولاءهم الجمعى. وهذه النقطة لا تخلقها الادعاءات ولا يصنعها الاكتفاء بالخطابات والكلمات الرنانة الطنانة التى تدغدغ المشاعر، إنما تتطلب إجراءات ملموسة فى الواقع تغذى الانتماء.
5- المشروع السياسى والحضارى المشترك: فغياب المشروع السياسى، الذى يتحلق حوله الجميع ويعملون من أجل نجاحه، يؤدى إلى عودة الناس إلى انتماءاتها الأولية، ولا سيما الدينية. أما حضور هذا المشروع بشكل طوعى، واشتماله على القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح وفئات المجتمع، فيؤدى بهؤلاء جميعاً إلى التوحد والانصهار.
بهذا فقط وليس بالأطروحات التى يندفع إليها البعض يمكن أن نحافظ على الدولة الوطنية من التفكك والتقسيم والانهيار.

arabstoday

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 21:26 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 21:21 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 21:10 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 21:08 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 21:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 21:02 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«عماد الدين أديب» والمؤامرة 22 «عماد الدين أديب» والمؤامرة 22



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 18:02 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يفوز على ضيفه شبيبة القبائل الجزائري

GMT 19:54 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

9 فساتين زفاف دخلت التاريخ لجمالها وأناقتها

GMT 08:34 2021 الخميس ,11 شباط / فبراير

الذهب يسجل تراجعًا بفعل تعافي الدولار

GMT 09:57 2020 الخميس ,09 إبريل / نيسان

فيلم قصير يجمع أميتاب باتشان بنجوم بوليوود

GMT 14:30 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

النقّاز يكشف أسباب رحيله عن الزمالك وسبب البقاء في القاهرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon