بقلم - سليمان جودة
ينتمى الدكتور أحمد كجوك، وزير المالية، إلى مدرسة مختلفة فى ممارسة المهام التى تفرضها عليه حقيبته فى الحكومة.
فهو يعرف أن وزير المالية عموماً ليس من الوزراء أصحاب الشعبية لدى الناس فى الشارع، والسبب أن وزير المالية.. أى وزير مالية.. يظل مثل أى رب بيت مشغولا طول الوقت بإحداث درجة من التوازن بين ما يدخل جيبه وما يخرج منه.
وزير المالية مدعو مع وضع كل ميزانية جديدة إلى إحداث مثل هذا التوازن على مستوى الدولة، وهو يتمنى لو يكون عنده ما يصرفه فى كل باب إنفاق مطلوب، ولكنه محكوم بحجم الوارد إلى خزائن وزارته، والخارج منها فى المقابل.
ولأن الضرائب بأنواعها تمثل النسبة الأكبر فيما يدخل خزائن وزارة المالية، فالوزير الجالس على رأسها مشغول على الدوام بالطريقة التى يمكن بها «بناء الثقة» مع كل ممول فى البلد.. أى مع كل مواطن عليه ضرائب مستحقة للدولة.. وأظن أن الدكتور كجوك بدأ هذا الطريق منذ يومه الأول فى الوزارة، وأظن أنه أنجز فيه خطوات، وقد فعل ذلك لأن لديه خبرة سابقة اكتسبها عندما أمضى سنوات إلى جوار الوزير معيط.
إن الدولة مهما بلغت قوتها، ومهما بلغت مهارة مصلحة الضرائب فيها، لن تكون قادرة على الوصول إلى كل ممول، كما أن أبواب التحايل والهروب من جانب الممولين لا حصر لها.. ولا حل بالتالى إلا العمل على بناء ثقة مع الممول تجعله يتطوع بدفع المستحق عليه دون دعوة ودون ملاحقة.
وقد مر طريق بناء الثقة ضريبياً بثلاث مراحل: تطوير الخدمات التى يحصل عليها الممول.. رقمنتها.. ثم تيسير الإجراءات. وكانت النتيجة أن مليون شقة بادر أصحابها بدفع ضرائبهم العقارية تطوعاً من خلال موبايل أبليكيشن مصلحة الضرائب العقارية.
علينا أن نتوقف أمام كلمة «تطوعاً» هنا، لأن معناها أن طريق بناء الثقة الذى يمشى عليه الوزير كجوك قد بدأ يؤتى ثماره، وأنه طريق مضمون بشرط أن يتواصل العمل عليه، لأن ثماره مرتبطة بعملية تراكمية طويلة لا بديل عنها. ولكن هناك بقية تتحملها الحكومة بأن تأخذ من حصيلة الضرائب فتصرف على الخدمات العامة، وأن يلمس المواطن تحسناً فيما يحصل عليه من خدمات عامة، وفى المقدمة منها الصحة والتعليم، وأن نتكلم معه باستمرار عن أن تحسن هذه الخدمات مرتبط طردياً بمبادرة كل ممول إلى دفع ما عليه لخزانة الدولة.
الثقة فى هذا السياق ليست مجرد كلمة، ولكنها مفتاح فى يد الدولة تستطيع به أن تملأ خزائنها بما تحب، وبما يعود على آحاد الناس من خدمات عامة لا غنى عنها، ولا عن تقديمها للمواطن بدرجة عالية من الجودة والكفاءة.