زدني علماً

زدني علماً

زدني علماً

 السعودية اليوم -

زدني علماً

بقلم - تركي الدخيل

إنْ أَنسَ، لا أَنسَ رجلاً صادفتُه، حينَ تخرَّج في إحدى الجامعات، بعدما جَازَ الستينَ من عُمُرِهِ بِأَشوَاطٍ، ووافقَ تخرُّجُه السنة التي تخرّج فيها ابنه الأصغر.

لم يكن ممكِناً، أَلَّا أَسأَلَهُ عن سِرِّ تلك العزيمة التي واتته، على تقدُّمه في السن، كي يدخل الجامعة، وهو مُتَأَكِدٌ، أنه لن يَستَفِيد من شهادته الجامعية، في تحصيل وظيفة، أو ترقية مرتبة، أو تحقيق وجاهة!

فأجابني قائلاً: «عِشتُ طُفُولَة سعيدة، رغم الفقر الذي كَابدناهُ، كانت أياماً لم يَعرف لها الرخاء درباً، وجدتُني مُضطراً لمشاركة والدتي عملها المضني الذي تقوم به لسد رمقنا، وتوفير قوت يومنا، بعد رحيل والدي عن الحياة، وأنا طفل رضيع».

ثم ابتسم، وهو يتذكر أَيَامَ الفَاقَة، رُبَما لأنها تَصَرَّمَت ومَضَت، وإن جَسَّدَهَا في كلماته، بقوله: «لم يُتَح لي أن أدخل المدرسة، إلا عندما قاربت العشرين، درستُ سنواتٍ قليلة من المرحلة الابتدائية، ثم شُغِلتُ بشؤون الدُنيا، عن طلب العلم، والتهيتُ بالسوق، وفَتَحَ الله عليَّ، فتزوجتُ، وأَنجبتُ، وأَخذتني دوَّامة الحياة! ثم سَأَلَنِي أحدُهُم، قَبلَ عشرين عاماً، عن مُؤهلي العِلمِي، فَأَطرَقتُ مُحرَجاً، وَعَزَمتُ حِينَهَا أَن أعكِفَ على الدراسة حَتَّى أُنهي الجامعة، إن مَدَّ اللهُ في الأَجَلِ، أَو تُقبَضَ رُوحِي وأَنَا أَطلُبُ العِلْمَ».

بَدَأَ الرجل رحلة التَعَلُّمِ، من أدنى السُلَّمِ التعليمي، بالمَدَارِسِ الليلية، وَلَم يَزَل على دَأَبِهِ، مَع مَا وَاجَهَ مِن مَشَاقٍ، وصِعَابٍ، حَتَّى أَتَمَ الابتدائِيَّة، فالمتوسِطَة، فالثَّانَوِيَّة، ثُمَّ قَرَّرَ أَن يَدرُسَ إِدارة الأَعمالِ بالجامعة، التي لم يكن طَرِيقُها مُعَبَّدة بالوُرُودِ، بَل مَلِيئة بالأَشْوَاكِ، وَكَادَ، مَرَّاتٍ، يَنقَطِعُ عن الدرسِ، لَكِنَّهُ كَافَحَ، وَجَالَدَ، وَصَبَرَ، حَتَّى نَالَ الشهادة الجامعية، دُونَ أَن يُعِيقَهُ تَقَدُمُهُ فِي العُمُرِ.

وقِصَّة الإعلامي السعودي الراحل، بدر كرَيِّم (1935 - 2015)، تَعضدُ ما سبق، فقد التحق كرَيِّم بالإذاعة في عام (1957)، وعَمِلَ مُذيعاً، ولَمَّا يحصل بَعْدُ على الشهادة الابتدائية، ومَعَ الطموح، والإصرار، والمثابرة، أنهى الابتدائية والمتوسطة، بدراسة ليلية، مع استمراره في عمله نهاراً، مُستفيداً من نظامٍ سابقٍ، يُتيح الجمع بين سنتين دراسيتيْن في سنة واحدة، على أن يتجاوز الطالب الامتحان في مناهج السنتين كلها، ثمّ حصل على الشهادة الثانوية في السبعينات الميلادية بالدراسة ليلاً، وهو على رأس عمله مذيعاً نهاراً، وكانت شُهرته حينها بلغت الآفاق، وهو ما أَهلهُ ليُعَيَّنَ مديراً للإذاعة في عام 1980، وانتسب للدراسة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، فأنهى البكالوريوس، ولم يكتفِ بذلك، فما زالت نفسه تُحدِّثه بالمزيد، فحصل على الماجستير في علم الاجتماع من جامعة الملك عبد العزيز، وَعُيِّن رئيساً لوكالة الأنباء السعودية، أَحَدَ عشرَ عاماً، ثم عُضواً بمجلس الشورى السعودي، وبعد أن أنهى دورة في المجلس، توجه لجامعة الإمام، وحصل منها على الدكتوراه في الإعلام عام 2006 – 2007، بعد حياة مهنية امتدت خمسين عاماً، وما كان ليُحَقِّقَ هذه الإنجازات، لو كَانَ أَذعَنَ لِوَهَجِ النجومية في الإذاعة، والتلفزيون، وبخاصة وقد كانَ المذيعَ المتخصِّص في تغطية نشاطات الملك فيصل بن عبد العزيز (ت 1975)، وجولاته، للإذاعة، والتلفزيون. وما كان ليَحوزَ على ما حَازَ لو أرخى أُذُنَهُ لبعض زملاء الإعلام، الذين نصحوه وقد نَالَ الشُهرَة والذُيُوعَ، بعدم التفكير في الدراسة، حيث سيزَامل صِغاراً في عُمر أولاده، وسَيُعَرِّضُ نفسه لإحراجاتٍ، وهو الشخصية المعروفة!

تَرَاهُ لِفِعلِ المَكرُمَاتِ مُشَمِّرا

إذا الجُودُ والإِقدَامُ لِلنَّاسِ أَقعَدَا

ويَحضُرُنِي قول الإمام الماوردي: «وَرُبَّمَا امْتَنَعَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، وَاستحيَائِهِ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي صِغَرِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ فِي كِبَرِهِ، فَرَضِي بِالْجَهْلِ أَنْ يَكُونَ مَوْسُوماً بِهِ وَآثَرَهُ عَلَى الْعِلْمِ أَنْ يَصِيرَ مُبْتَدِئاً بِهِ. وَهَذَا مِنْ خِدَعِ الْجَهْلِ وَغُرُورِ الْكَسَلِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ إذَا كَانَ فَضِيلَة فَرَغْبَة ذَوِي الْأَسْنَانِ فِيهِ أَوْلَى. وَالِابْتِدَاءُ بِالْفَضِيلَة فَضِيلَة. وَلَأَنْ يَكُونَ شيخاً مُتَعَلِّماً أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ شيخاً جَاهِلاً».

إذا لم يكن مَرُّ السنينِ مُترجِماً

عن الفضلِ في الإنسانِ سميته طِفلا

وما تنفعُ الأيامُ حين تَعُدُهَا

ولَمْ تَستَفِد فِيهِنَّ عِلماً ولا فضلا

كان الخليفة المأمون (ت 218هـ) حاكماً مثقفاً، يُحِبُ العُلمَاءَ والأدباء، ويُدنِيهِم، ويعقد لهم منتدياتٍ، ويجري بينهم نقاشاتٍ، وكان له عَمٌّ قليل حَظٍّ بِعِلمٍ، هو إبراهيم بن المهدي (ت 224هـ)، يُقَرِّبه المأمون لعمومته، فيحضر جلسات العلم، مُكتَفِياً بالاستماع، فهُوَ غاية ما يُحسن.

دخل العَمُّ على المأمون يوماً وبين يديه نِقاشٌ فقهي، فَقَالَ: يَا عَمِّ مَا عِنْدَكَ فِيمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، شَغَلُونَا فِي الصِّغَرِ وَاشْتَغَلْنَا فِي الْكِبَرِ. قَالَ المأمون: لِمَ لَا نَتَعَلَّمُهُ الْيَوْمَ؟ فقَالَ المهدي، والدَهشَة تَملأُ كِيَانَهُ: أَوْيَحْسُنُ بِمِثْلِي طَلَبُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ لَأَنْ تَمُوتَ طَالِباً لِلْعِلْمِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَعِيشَ قَانِعاً بِالْجَهْلِ.

ليس هناك، أيها الكِرامُ، سِنٌ غير مناسِبة للتَعَلُّمِ، ولا وَقت غير ملائمٍ لِنَهلِ المَعَارِفِ، والاستمتاع بنعيمِ الدهشة، والتَلَذُذّ بِمُتعَة الاكتشاف.

قِيلَ لِأَبِي عَمْرِو بن الْعَلَاءِ، شيخ القرّاء واللغة (ت 154ه): أَيَحْسُنُ بِالشيخ أَنْ يَتَعَلَّمَ؟ قَالَ: «إِنْ حَسُنَ بِالشيخ أَنْ يَعِيشَ، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ بِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ». فالتعلم كما قيل: من المهد إلى اللحد.

على أنَّ العِلمَ، كما قال ابن عباس: «أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسَنَه».

ومن الحَسَنِ، يا سادة، أن نتخذ من العادات ما يُعِينُنَا ويُحَرِّضُنا على الازدياد من العلم.

أَبلَغُ ما يُطلَبُ النَجاحُ بِهِ الـ

طَبعُ وَعِندَ التَعَمُّقِ الزَلَلُ

ومَن عَلِمَ قَدرَ الوَقتِ، تَعَوَّدَ استثماره، وأعرض عن إهداره، إذ:

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ

إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَوانِي

وما أحسن، أن يكون لنا، من عادات التعلم: لسانٌ سؤولُ، يبحث عن الإجابات، من أفواه أهل العِلم، وكتابات العارفين، وتقاريرِ الخبراء، فالتقاطُ المعلومة إثر أختها مشبِعٌ، والعلم، يزداد بمرور الزَّمان، وتعاقُب الأعوام، وتراكمُ الأشياء الصغيرة يجعلها كبيرة، وضَمُّ المعلومة إلى أختها، يشبه السِّحر، بل هو السِّحر الحلال!

arabstoday

GMT 15:52 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

وحدة الساحات

GMT 15:49 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

مع السَّلامة أيُّها العالَم العتيق

GMT 15:47 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

أميركا في عين أوروبا النقديّة

GMT 15:44 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

يوم القيامة مجددا؟!

GMT 15:41 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

فضَّاح سرقات الأدباء

GMT 15:39 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

أسبوع كالدهر في «داونينغ ستريت»

GMT 15:36 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 15:34 2026 الأحد ,15 شباط / فبراير

5٫8 لاعب أجنبى فى كل فريق مصرى

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زدني علماً زدني علماً



فساتين سهرة غير تقليدية تضيء سهرات عيد الحب بإطلالات النجمات

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 07:37 2026 الإثنين ,16 شباط / فبراير

الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية
 السعودية اليوم - الصيام المتقطع ليس أفضل من الحميات التقليدية

GMT 18:57 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تضطر إلى اتخاذ قرارات حاسمة

GMT 10:11 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الإثنين 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 11:02 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:49 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 07:52 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

أمامك فرص مهنية جديدة غير معلنة

GMT 03:43 2017 الجمعة ,20 كانون الثاني / يناير

جيجي حديد تظهر جمالها الطبيعي في عرض للماسكرا

GMT 20:30 2021 الخميس ,18 شباط / فبراير

تعرفي على أهم خطوات وضع المكياج في زمن كورونا

GMT 10:52 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي الإثنين 6 أكتوبر/تشرين الأول 202

GMT 09:43 2013 الخميس ,14 آذار/ مارس

شاكيرا تُقدم عطرها الثالث برائحة الفاكهة

GMT 07:09 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 20:37 2019 الإثنين ,21 كانون الثاني / يناير

مؤشر بورصة لندن الرئيس يغلق على ارتفاع طفيف

GMT 17:45 2018 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

طريقة إعداد وتحضير سلطة الجرجير

GMT 23:02 2018 الإثنين ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

أهم النصائح والطرق طبيعية لتضييق المسام الواسعة

GMT 01:32 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لاختيار موضة البلوفر المناسب لك في الشتاء

GMT 17:59 2018 الجمعة ,01 حزيران / يونيو

التشجيع.. نصر وهلال

GMT 14:49 2018 الأربعاء ,14 شباط / فبراير

برشلونة يحاول تأمين بقاء صامويل أومتيتي

GMT 22:22 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

الرمثا يكثف استعداداته لمواجهة شباب العقبة

GMT 23:27 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

"المركزي المصري" يعلن ارتفاع احتياطي النقد الأجنبي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon