إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ
أخر الأخبار

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

 السعودية اليوم -

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

بَيْتُ القَصِيدِ مِنْ أَشْهَرِ أَبْيَاتِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ الَّتِي يَكْثُرُ الاسْتِشْهَادُ بِهَا فِي الكُتُبِ، وَالمَقَالَاتِ، وَالخُطَبِ، وَالمُحَاضَرَاتِ، عَلَى اخْتِلَافِ مَوْضُوعَاتِهَا، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

وَيَكْثُرُ التَّمَثُّلُ بِهَذَا البَيْتِ الشَّهِيرِ مِنْ دُونِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَيَنْدُرُ أَنْ تَجِدَ البَيْتَ مَنْسُوباً إِلَى شَاعِرٍ.

وَهْوَ مِنْ شِعْرِ شِهَابِ الدّينِ السَّهْرَوَرْدِي، يَحْيَى بْنَ حَبشٍ بنِ أميرك (549-587هـ = 1154-1191م)، مِنْ قَصِيدَةٍ حَائِيَّةٍ أَثْبَتَهَا فِي تَرْجَمَتِهِ يَاقُوتُ الحَمَوِيّ فِي «مُعْجَمُ الأُدَبَاء»: ج6، ص2808، وَابْنُ خِلّكَانَ فِي «وَفَيَاتُ الأَعْيَان»: ج6، ص268، وَفِيهَا البَيْتُ المَذْكُورُ.

وَلَا أَدْرِي، أَمَيزَةٌ هِيَ أَمْ عَيْبٌ، أَلَّا تَشْتَهِرَ نِسْبَةُ البَيْتِ إِلَى شَاعِرِهِ؟!

يَبْدُو عَيْباً إذَا نَظَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ زَاوِيَةِ هَضْمِ حَقِّ الشَّاعِر، وَضَيَاعِ بَعْضِ حَقِّهِ الفِكْرِيّ وَالإِبْدَاعِيّ، وَاحْتِمَالِ نِسْبَةِ البَيْتِ إلَى غَيْرِ قَائِلِه.

وَالأَكِيدُ أنَّ كَثيراً مِمَّنْ يَسْتَشْهِدُونَ بِالبَيْتِ دُونَ عَزْوٍ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَاعِرُ البَيْتِ، وَمِثْلُهُمْ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شِهَابُ الّدينِ السَّهْرَوَرْدِيّ تَحْدِيداً!

اشتهر شهاب الدين السهروردي بـ«السهروردي المقتول»، وهو فيلسوف، نشأ بمراغة، وتنقل في البلاد، ثم استقر به المقام في حلب، حيث أثارت آراؤه جدلاً شديداً، وانتهى أمره إلى سجنه وقتله في قلعة حلب سنة 587هـ.

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

«فتشبهوا»: أمرٌ من الشَّاعرِ بالتَّشبُّهِ، يوجهُهُ إلَى جمهورِهِ، دُونَ أنْ يسميَهُمْ أو يشيرَ إليهمْ مُباشرةً، أمَّا المشبَّهُ بِهِمْ فَهُمْ «الكِرَام»، وَقدْ جاءَ ذكرُهمْ فِي عَجُزِ البَيْتِ.

قَالَ ابنُ منظور في «لِسانُ العَرَب»: «الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ: المِثْلُ»، وَقَالَ فِي الكَرِيمِ: «الجَامِعُ لِأَنْوَاعِ الخَيْرِ وَالشَّرَفِ وَالفَضَائِل»، وَالكَرِيمُ «اسمٌ جَامِعٌ لِكلِّ مَا يُحْمَدُ». فَالكرمُ هنَا أوسعُ من أن يُحصرَ في السَّخاء والبَذل؛ إنَّه كرمُ النَّفسِ، وشَرفُها، وجَميلُ سجايَاهَا، وَمحاسِنُ خِصَالِهَا. ومنْ ثمَّ يدعُو الشَّاعرُ إلى الاقتداءِ بِأهلِ تلك الخِصالِ، وَالتَّشبُّهِ بِهم، حتَّى إنْ لمْ يبلغِ المَرءُ مَنزلتَهمْ؛ لأنَّ مجردَ الاتّجاهِ نَحْوَهُمْ، وَمُحَاوَلَةِ الاقترابِ منْ أخلاقِهمْ، طريق إلى الفلاح.

وَ«الفَلاحُ»: الفَوْزُ وَالنَّجَاةُ وَالبَقَاءُ فِي النَّعِيمِ وَالخَيْر.

وَالتَّشبُّهُ بِالكرامِ، المأمورُ بهِ في بيتِ السَّهْرَوَرْدِي، تَشَبُّهٌ مَقصودْ، يقومُ على الانتقاءِ وَالاختيار. فالإنسانُ يرَى خُلُقاً يُعجبُهُ، أوْ سيرةً تَستَوقِفُهُ، أو رجلاً يستهويهِ ما فيهِ من فضلٍ، فيعمدُ إلى الاقتداءِ به، ومحاكاةِ مَا استحسنَهُ من صفاتِهِ.

وثمّةَ شَبَهٌ آخرُ لا يقعُ بالاختيارِ نفسِه، ولا ينشأُ دائماً عن قصدٍ، بل تفرضُه البيئةُ، وتصنعُهُ الصُّحبَةُ، ويشكّلُهُ العَصرُ، حتَّى يصبحَ الإنسانُ شَبيهاً بأهلِ زَمانِهِ، من حيثُ يدرِي أوْ لَا يَدْرِي. وَهذَا هوَ الشَّبَهُ الَّذِي عبَّرَ عنهُ عمرُ بنُ الخَطَّاب، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي كَلِمَتِهِ العَمِيقَة:

«النَّاسُ بِزَمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ».

وَالمعنَى أنَّ النَّاسَ يُشبهونَ مُعاصرِيهمْ، وَمُجَايِلِيهِمْ، وَأَقْرَانِهِمْ، وَأَصْحَابِهِمْ، أَكْثَرُ مِنْ شَبَهِهِمْ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِم.ْ

وهي كلمة عميقة الدلالة، جميلة الألفاظ، واسعة المعاني؛ فالإنسان ابن زمانه، يتأثر بلغته، وذوقه، وعاداته، واهتماماته، وطريقة تفكيره، وأسلوب عيشه، بل وبما يستحسنه ويستنكره، أحياناً من غير أن يشعر. ويشرحُ شمسُ الدينِ السَّخاوي هذا المعنَى بقوله: «أي النَّاسِ يتشبَّهونَ بندمائِهمْ لا بآبائهم، فَمَنْ أهانَهُ الزَّمانُ أهانوهُ، ومَنْ أَعَانَهُ أعَانُوهُ». وَلعلَّ الفارقَ بين قولِ السَّهْرَوَرْدِي، وَقَولِ عُمرَ بنِ الخَطَّاب، فارقٌ بين نوعينِ من الشَّبَه: شَبَهٍ نختارُهُ، وشَبَهٍ يختارُنَا.

فالأوَّلُ تشبهٌ بالإرادةِ والاختيار؛ نرَى الكِرامَ فنقصد إلَى مُشابَهتِهم، ونتأمَّلُ محاسنَهْمْ فنحاولُ أنْ نأخذَ منهَا بِنَصِيبٍ.

أمَّا الثَّاني، فهو شَبَهٌ يصنعُه الزَّمَانُ فينَا، ويتسلَّلُ إلينَا عبرَ النَّاسِ الذين نعيشُ بينهم، والأفكارِ الَّتِي تحيطُ بنا، واللُّغةِ التي نتكلَّمُ بها، والأذواقِ الَّتِي تسودُ عصرَنَا، حتَّى يصبحَ شَبِيهاً بِالإِجْبَار. فَالمرءُ يستطيعُ أن يختارَ مَن يتشبَّهُ به، لكنَّهُ لا يستطيعُ أن يختارَ كلَّ مَا يجعلُهُ شَبيهاً بِأهْلِ زَمَانِه.

وبين شَبَهٍ نختارُه، وشَبَهٍ يختارُنا، تبدُو وَصِيَّةُ السَّهْرَوَرْدِيّ أَكثرَ عمقاً:

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon