السير وليام البخيل

السير وليام البخيل

السير وليام البخيل

 السعودية اليوم -

السير وليام البخيل

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

وصف بأنه حاد الذكاء لكنه غريب الأطوار، وصلت بعض تصرفاته إلى حد الجنون! وضرب به المثل فى البخل والشح، على الرغم من أنه ربما يكون مجرد اقتصاد وتوفير فى النفقات لضيق ذات اليد خاصة فى بدايات حياته وقبل الشهرة. الغريب أن الجميع - سواء أصدقاؤه القليلون أو أعداؤه الكثيرون - يجمعون على أنه أحد أعمدة علم المصريات، وعبقريته جعلته أحد الرواد الأوائل المؤسسين لهذا العلم، بل ومن الذين وضعوا المنهج العلمى المتبع إلى اليوم فى دراسة المصريات والتاريخ المصرى القديم.

نتحدث عن السير وليام ماثيو فلندرز بيترى المولود فى إنجلترا عام 1853م، والمتوفى فى القدس الشريف بفلسطين فى 28 يوليو 1942م والمدفون حسب وصيته بجبانة جبل صهيون.

وصل بيترى إلى مصر عام 1880م بهدف عمل مسح علمى لأهرامات الجيزة التى كانت السبب الرئيسى فى جذب انتباهه لدراسة الآثار والتاريخ المصرى القديم. وعلى الرغم من توافر الفنادق ودور الإقامة للأجانب فى مصر وبأسعار زهيدة، إلا أن بيترى فعل ما لم يفعله أى إنسان حيث قام بتنظيف إحدى المقابر الصخرية المحفورة فى الجبل بالقرب من الهرم الثانى هرم الملك خفرع واستخدمها كسكن له؛ ينام بها على سرير معلق مثل الأرجوحة! كان بالكاد يوفر احتياجاته اليومية من طعام وماء بأقل القليل من المال، حتى إن أهالى القرية القريبة من الأهرامات كانوا يصعدون إليه بالطعام والماء المجانى لاعتقادهم أن به مسًّا من الجن! لأن من ينام بمفرده داخل مقبرة وفى جبانة فرعونية لابد وأنه «مخاوى» أو متحالف مع الجن والعفاريت حسب اعتقادهم!

لم تتوقف تصرفات بيترى الغريبة عند هذا الحد! يحكى هو نفسه عن بداية عمله حول الأهرامات فيقول إنه عندما كان يقوم بأخذ القياسات الحسابية والهندسية للأهرامات كان يتعرض لمضايقات وتعطيل من السياح الأجانب الذين كان يحلوا لهم استيقافه وسؤاله عما يفعل بالأهرامات؟ وعن طبيعة عمله؟ وما إذا كان يعرف أى معلومات عن الأهرامات؟ ومن بناها؟ وكيف بناها؟ لاحظ أننا نتحدث عن الربع الأخير من القرن التاسع عشر فى الوقت الذى لم تكن هناك سياحة منظمه للآثار، وكان السياح يعتمدون فى معلوماتهم على الأدلاء المحليين من سكان القرى المجاورة للآثار. وهؤلاء الأدلاء لم يكونوا من المتعلمين وكانوا يروون القصص الخيالية عن الآثار لاستثارة خيال وإعجاب السياح. المهم لم يجد بيترى سوى أن يعمل وهو يرتدى ملابس داخلية وردية اللون حتى يعتقد السياح أنه أحد المحليين من غريبى الأطوار فيتركوه وشأنه خوفاً منه.

عمل بيترى تقريبًا فى شمال مصر وجنوبها، ولعل من أعظم أعماله الكشف عن مقابر الأسرة الأولى والثانية فى أبيدوس. وفى الحقيقة فلولا حفائر الإنقاذ التى نفذها بيترى فى أبيدوس لكان جزء عظيم وهام ضاع وللأبد من التاريخ المصرى القديم. وكان بيترى هو العالم الأثرى الذى وضع لنا التسلسل التاريخى باستخدام الفخار وأشكاله وطرزه المختلفة باختلاف الفترة الزمنية التى ينتمى إليها. هذا التأريخ التسلسلى لا يزال معتمدًا وفعالًا إلى اليوم مع وجود فوارق بسيطة أو تحديثات أدخلها عليه بعض العلماء ممن جاءوا من بعده. وأثناء عمله فى أبيدوس استطاع بيترى تدريب عدد من عمال قرية قفط بالقرب من الأقصر على الحفائر وأصبحوا معروفين فى علم المصريات باسم القفطاوية وإلى يومنا هذا فإن أحفادهم هم أمهر عمال ورؤساء عمال الحفائر فى مصر.


ويُحكى عن حفائر بيترى فى الصحراء قصص أغرب من الخيال! منها أنه كان يقوم بإحضار علب المعلبات معه خاصة رخيصة الثمن ليأكلها هو وأعضاء الفريق المعاون له، وكانوا قليلى العدد دائمًا لأن أحدًا لم يكن يتحمل العمل معه، وبذلك يوفر نفقات شراء أكل طازج ونفقات الطهى وأجرة الطاهى! ولم يكن هذا هو الأمر الغريب فقط، بل إنه كان يقوم بدفن ما تبقى من معلبات الطعام فى الرمال بجوار المقابر ويضعها على خريطة ليعود إليها فى الموسم التالى ويختبر الصالح منها للأكل من الفاسد. وعن طريقة اختبار المعلبات الصالحة للأكل من الفاسدة، كان بيترى يقوم بضربها فى الجدار والعلبة التى تنفجر فهى الفاسدة أما التى لا تنفجر فهى العلبة التى لا تزال صالحة للأكل!

أثناء عمله فى الفيوم قام بالكشف عن جبانة عظيمة من نهاية العصر اليونانى الرومانى وبداية العصر القبطى، وكشف عن مئات المومياوات التى تزين رؤوسها وصدورها أقنعة جنائزية تعرف باسم وجوه الفيوم، ولها شهرة عالمية حيث إنها نفذت بدقة ومهارة فى الرسم تجعلها واحدة من روائع الفن من مصر، وتمتاز بتجسيد الملامح الطبيعية للمتوفى، ذكرا كان أو أنثى. وأثناء عمله فى الجبانة كان من عادته إخفاء المومياوات المميزة أسفل السرير الذى ينام عليه داخل خيمته بالموقع لحمايتها من السرقة ولحين نقلها إلى القاهرة.

لا يوجد عالم آثار غزير الاكتشافات والنشر العلمى مثل السير غريب الأطوار فلندرز بيترى الملقب بـ«أبى المصريات». ومن أروع ما ترك لنا سيرته الذاتية التى كتبها ونشرها تحت عنوان «سبعون عامًا فى الآثار». وفى عام 1927م أنهى بيترى مسيرته العلمية فى مصر بمحض إرادته. وانتقل إلى فلسطين للحياة والعمل هناك، وبالفعل استمر فى الحفر فى عدد كبير من المواقع الأثرية، واستمر فى العمل حتى وفاته وقد تجاوز الـ 89 عامًا من عمره الحافل بالعمل والابتكار، والجنون.

 

arabstoday

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 21:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 21:14 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 21:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 21:10 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 18:13 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

GMT 18:10 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

GMT 18:08 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السير وليام البخيل السير وليام البخيل



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 15:57 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 05:00 2018 الجمعة ,26 كانون الثاني / يناير

أبرز مواصفات برج الدلو في عام 2018

GMT 10:46 2023 الثلاثاء ,05 أيلول / سبتمبر

السلمون بالزبدة

GMT 08:42 2020 الإثنين ,10 شباط / فبراير

قواعد اتيكيت الملابس للرجل و المرأه

GMT 21:09 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نصائح للتخلص من ضغوط العمل

GMT 15:59 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تواجهك عراقيل لكن الحظ حليفك وتتخطاها بالصبر

GMT 18:33 2019 الخميس ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

إصدار أول جواز سفر موحد بين الدول الأفريقية شباط المقبل

GMT 23:21 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

نصائح فعّالة لثبات الكحل لفترات أطول خلال فصل الصيف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon