الجامعات في مأزق

الجامعات في مأزق!

الجامعات في مأزق!

 السعودية اليوم -

الجامعات في مأزق

آمال موسى
بقلم : د. آمال موسى

من الخصائص البنيوية للحقل الجامعي أنه يظل دائماً حيزاً محافظاً وشاهق الأسوار، نادراً ما يطرح معضلاته ومشكلاته العميقة بصوت عالٍ في الفضاء العام. ولعل هذا الانكفاء يعود أساساً إلى طبيعة المؤسسة الأكاديمية، التي لا تتعامل بمرونة كافية أو سرعة مطلوبة مع التحديات الطارئة والمستحدثة.

واليوم، يبرز الغش الأكاديمي كأحد أكبر التحديات المصيرية التي تواجه الجامعات على الصعيد العالمي؛ إذ إن الثورة التكنولوجية الراهنة في مجال الاتصال والتواصل لم تعد تخدم دائماً التوغل الأعمق والأشمل في المعرفة فحسب، بل أصبحت أداة للالتفاف عليها.

وفي هذا السياق، ترصد المحافل الجامعية الدولية حالات غش نوعية وغير مسبوقة تاريخياً، حيث تحول الأمر من مجرد محاولات فردية بدائية إلى معضلة هيكلية منظمة ومشفوعة بأدوات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات اللاسلكية الدقيقة، وصولاً إلى النظارات الذكية.

إن هذا الخطر الداهم يمثل مساساً مباشراً بنزاهة الشهادات العلمية، واعتداءً صارخاً على مصداقية النجاح والاستحقاق؛ الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى إفراغ المؤسسة الجامعية من هيبتها الرمزية وقداسة وظيفتها المعرفية. ورغم الخطورة البالغة لظاهرة الغش وتداعياتها المتشعبة، فإن النقاش الأكاديمي حول هذه المعضلة لا يزال شحيحاً وخافت النبرة، مدفوعاً بقلق المؤسسات من تدهور سمعتها وصورتها الاعتبارية، وخوفاً من تراجع القيمة العلمية لشهاداتها في سوق الشغل.

والملاحظ هنا أن حالات الغش التي تشهد تزايداً مطرداً (سواء في إعداد العروض البحثية، أو مشاريع ختم الدروس، أو حتى في أطروحات الماجستير والدكتوراه) بات يُتعامل معها مع الأسف كأمر واقع، وتخضع لعمليات التقييم وإسناد الدرجات. نلحظ تزايد هذه الظاهرة رغم المحاولات الجادة لتسخير آليات التعامل الصارمة مع حالات الغش في الامتحانات الكتابية الحضورية، من خلال تكنولوجيا مضادة للتشويش وقطع الاتصال عن الأجهزة الدقيقة داخل القاعات.

ومن أبرز الشواهد الدولية المتداولة في هذا الصدد، ما حدث في واقعة شهيرة بجامعة «كورنيل» الأميركية؛ حيث نجح أستاذ مادة التاريخ في إيقاع 91 في المائة من طلابه في فخ الانتحال الأكاديمي، بعدما أدرج تعليمة خفية (مكتوبة بخط أبيض غير مرئي للعين المجردة) داخل ملف الامتحان، تأمر برمجيات الذكاء الاصطناعي بإدراج كلمات عشوائية مقحَمة، مثل كلمة «مدغشقر»، لينتهي الأمر بوجود هذه الكلمة الغريبة في إجابات معظم الطلاب الذين اتكلوا على الآلة.

تؤكد هذه الحادثة وجود مشكلة بنيوية خطيرة تتقاسمها الجامعات عالمياً، وليست مؤسساتنا التعليمية العربية في معزل عنها، بل إنها من أكثر الأطراف تضرراً منها.

وبما أن هذه الأزمة تمسّ جوهر النزاهة العلمية التي تشكل مبتغى الطالب ومبرِّر وجود الجامعة، فإن مواجهتها تستوجب سحب البساط من تحت أقدام التكنولوجيا، وقطع الطريق على المقاربات التواكلية التي تراهن على الزيف لتحقيق النجاح.

ولعلَّ بنات وأبناء الأجيال السابقة يتذكرون جيداً القيمة الاعتبارية والمعرفية الكبرى التي كانت تحظى بها الامتحانات الشفوية في المنظومة الجامعية، وكيف كانت تشكل صمام أمان يحمي كثيراً من الطلبة المجتهدين من عواقب التقييمات الكتابية الجافة.

إن نظام الامتحانات الشفوية يتيح للهيئة التدريسية قياس عمق الفهم الحقيقي، والوقوف بدقة على مستويات المعرفة، فضلاً عن دورها الجوهري في تدريب الطالب على مهارات التعبير، والإقناع، واستحضار الحجج والمسوغات المعرفية المرتبة منطقياً.

وبذلك، يتحول الاختبار الشفوي إلى تمرين اتصالي وتواصلي رفيع يُعِدّ الطالب بامتياز لسوق العمل ولتحديات الحياة المهنية؛ إذ إن الإجابة المباشرة عن سؤال الأستاذ تحفز كفايات الطالب الذاتية، وتدفعه لتقييم واقعي وحقيقي لرأسماله المعرفي.

وفي الواقع، يشهد الفضاء الأكاديمي العالمي اليوم يقظة فكرية وتصحيحية نوعية، يتجلى أبرز مظاهرها في العودة القوية والمتسارعة لنظام الامتحانات الشفوية المباشرة والحضورية في كبريات الجامعات بالولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسبانيا، وأستراليا. وفي المقابل، لا تزال جامعاتنا العربية تتردد في اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي بالعودة إلى الاختبارات الشفوية، وكأن العقل الأكاديمي لدينا بات عاجزاً عن استنباط وسائل دفاعية تحمي مصداقية المعرفة والتعليم.

ختاماً، فإن الامتحانات الشفوية، بكل ما تتطلبه من جهد ماراثوني تظل تجربة ذات متعة خاصة وأثر عميق في مسيرة الطالب. إنها لبنة أساسية في تشكيل ذاكرة المسار الجامعي، وأداة حاسمة تضمن صقل شخصية الطالب، وتطوير مهاراته الذاتية، وصون قيمة العلم من الابتذال.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجامعات في مأزق الجامعات في مأزق



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon