الهدر والجوع والعقلانية

الهدر والجوع والعقلانية

الهدر والجوع والعقلانية

 السعودية اليوم -

الهدر والجوع والعقلانية

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

سؤال بسيط تُحدد إجابته أشياء كثيرة؛ هل كل الغذاء الذي يتم اقتناؤه من السوق يتم استهلاكه من دون هدر؟

سؤال واحد يبيّن لنا إذا ما كان الشخص وزير اقتصاد جيداً في بيته، أم أنه يشارك صحبة الملايين من البشر في ظاهرة هدر الغذاء الخطيرة جداً.

لنوضح مبدئياً أن الهدر لا يشمل الغذاء دون سواه. بل إن هدر الطعام هو منظومة كاملة ومتعددة من الهدر؛ هدر المال وهدر المنتوجات الزراعية وهدر الطاقة وهدر الماء المستعمل في الزراعة وهدر المناخ وإضعافه... إذن نحن أمام هدر في ظاهره واحد، وفي حقيقته متشعب، وتكلفته تتجاوز كثيراً ثمن الشراء الذي نعطيه للباعة في الأسواق والمتاجر وغيرها من فضاءات البيع.

المشكلة أن الناس لا يتنبهون لفعل الهدر، ولا يدركون كم هي الأموال المهدورة في سلة المهملات. فكل تغيير في السلوك يبدأ أولاً من الانتباه إلى الخلل والخطأ. وفي خصوص ظاهرة هدر الطعام، فإنه لم يحصل بعد ما يعزز حالة الانتباه، الأمر الذي جعل الظاهرة في تفاقم. لنلاحظ أن الحديث عن الهدر مثلاً في بلداننا يتزامن مع شهر رمضان المعظم فقط، وهي طبعاً مفارقة، باعتبار أنه في شهر الصيام يكثر هدر الطعام، ويتحول إلى موضوع من مواضيع الإعلام. وهو في تقديرنا خطأ اتصالي، وذلك من منطلق أن الهدر مناسباتي، والظاهرة دائمة ومتجذرة في نمط الحياة بما في ذلك حياة الفقراء والمحتاجين، وذلك لأننا أمام ثقافة السلوك الاقتصادي.

لنذعن إلى الأرقام، فوحدها تطلق صيحات الفزع، تقول البيانات الدولية إن الهدر كأزمة عالمية هو ظاهرة تشمل ما بين الثلث إلى النصف من الغذاء المنتج عالمياً. يعني إذا كانت أسرة تنفق مادياً على الغذاء 1000 دولار مثلاً، فإنها فعلياً هي لا تستعمل منه إلا النصف، والباقي ترميه في سلة المهملات. والمشكلة أن الأمر لا يخص أسرة أو مجموعة من الأسر، بل نحن نتحدث عن إهدار نحو 931 مليون طن من الطعام سنوياً، وهو رقم مهول جداً، وكي ندرك هوله يكفي أن نفهم أن حجم الطعام المهدور وحده، ومن دون احتساب التكلفة الحقيقية للهدر، يكفي وأكثر لإطعام قرابة مليار جائع في العالم.

الاثنين المقبل، تحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للقضاء على الهدر، الذي يتطلب في الحقيقة استراتيجية اتصالية ذكية وعميقة، حيث لا يمكن تمرير أي رسالة حول ظاهرة هدر الطعام، من دون أن يرتبط ذلك بالحديث عن الجائعين وعن ظاهرة الجوع الحاد الموجعة المنتشرة في العالم. ذلك أن الظواهر تعرف بأضدادها أيضاً. كما أن إدراك الخسائر التي يجلبها هدر الطعام على ميزانيات الأسرة والدول من النقاط المهمة في الإقناع وفي القضاء على هذا السلوك الاقتصادي غير العقلاني، باعتبار أن كل فرد لو وضع في اعتباره أنه يهدر المال ويضعه في سلة المهملات ربما لتوصلنا إلى حالة انتباه أفضل.

وفي هذا السياق، نضع الثقافة الاقتصادية للفرد والأسر في الميزان، ذلك أن الإنفاق دراية وخبرة، وتحديد الحاجيات خبرة أيضاً تكتسب. وهنا يتضح الدور الذي يمكن أن تؤديه جمعيات ترشيد السلوك الاستهلاكي وتربية الناشئة على حسن التدبر وكيفية التصرف في المال.

ونحن نتناول ظاهرة هدر الطعام، من المهم أن نربط ذلك بأن حجم الطعام المهدور يعني أن العالم يستنزف 30 في المائة من الأراضي الزراعية، ويلقي بمنتوجاتها في سلة المهملات، ومعها الماء الذي تُسقى به هذه الأراضي، ونقل المنتوجات الزراعية، وأيضاً تكلفة اليد العاملة، وغير ذلك من المصاريف. وهو ما يجعلنا حقاً نقترب من التكلفة الحقيقية المفزعة لهدر الطعام.

بل إن المناخ كذلك يتضرر من هدر الطعام، حيث إن 7 في المائة من انبعاثات الغازات الدفينة سببها هدر الغذاء.

إننا فعلاً أمام نوع من الهدر الخبيث، الذي في ظاهره هدر للطعام، وفي حقيقته هدر لكل شيء. والمشكلة أن ظواهر الهدر والجوع والفقر تتعايش في البلد الواحد، حتى يمكن أن تكون في الأسرة الواحدة.

لذلك، فإن القضاء على الهدر أو لنقل معالجته لا يكون من طبق الطعام وكيفية التعامل مع الطبق، كما اختارت الأمم المتحدة حملتها هذا العام، وإنما المعالجة تبدأ عندما تمسك بحقيبة النقود، وتدخل السوق لشراء الحاجيات الغذائية: متى اقتصرت من حجم الحاجيات يتم خفض الهدر، وبتكرار التجربة ستثبت الأموال غير المهدورة قواعد جديدة للاستهلاك العقلاني.

فالهدر دليل عالم غير عقلاني، لأن السلوك العقلاني هو الذي يحمل هدفاً، ولا نعتقد أن الهدف المعلن من أي سلوك اقتصادي استهلاكي هو الهدر.

arabstoday

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 21:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 21:14 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 21:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 21:10 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 18:13 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

GMT 18:10 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

GMT 18:08 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهدر والجوع والعقلانية الهدر والجوع والعقلانية



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 19:21 2013 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

هاني شاكر ينفي طرده من أحد الأندية لتعاطي المخدِّرات

GMT 08:54 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 07:45 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

حالة الطقس المتوقعة ليوم الأحد في بغداد

GMT 12:57 2013 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

جيزال خوري تنضم إلى فريق عمل "بي بي سي" العربيّة

GMT 11:33 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يحصد المركز الخامس في مونديال الأندية

GMT 01:51 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

حكيم يعرب عن سعادته بنجاح حفلته في برشلونة

GMT 20:59 2017 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

"ربحنا بكري"

GMT 17:37 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

شاومي تطلق 3 هواتف لعائلة Redmi بإمكانات جبارة

GMT 15:45 2020 الخميس ,16 إبريل / نيسان

سفن محملة بالقمح في طريقها إلى مصر

GMT 22:04 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

جنود الجيش الروسي يتزودون بساعات ذكية

GMT 11:46 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

"هواوي" تكشف عن إطلاق نسخة مطورة من "مات إكس" المطوي في 2020

GMT 13:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يسطع نجمك في هذا الاسبوع الدسم بحظوظه

GMT 13:46 2019 الأربعاء ,14 آب / أغسطس

"طيران الجزيرة" تواصل توسيع شبكة وجهاتها

GMT 06:44 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

تألقي بأجمل فساتين زفاف موضة ربيع 2020

GMT 15:20 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

تسمم 25 شخصًا بسبب وجبة فاسدة في الغربية

GMT 07:39 2019 الخميس ,28 آذار/ مارس

مجموعة مجوهرات L’esprit Du Lion من Chanel

GMT 06:55 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

بريطانية تخضع للعلاج 8 شهور بسبب "غباء مُصفف"

GMT 23:09 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الأردن ترفع تمثيله الدبلوماسي لدى سورية

GMT 17:23 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

آل سويلم يبدي استياءه من أرضية ملعب الملك فهد الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon