العامل والسقالة والوعي

العامل والسقالة والوعي

العامل والسقالة والوعي

 السعودية اليوم -

العامل والسقالة والوعي

أمينة خيري
بقلم : أمينة خيري

لم يعد سقوط عامل أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من على سقالة أثناء أعمال البناء أو غيرها أمراً نادر الحدوث. «سقوط أربعة عمال من أعلى سقالة داخل نفق خاص بالأوتوبيس الترددى» «إصابة 8 عمال سقطوا من سقالة فى بنها» «سقوط عامل من أعلى سقالة فى الدقهلية» «مصرع نجار مسلح سقط من أعلى سقالة فى طنطا» «سقوط عاملين من سقالة فى الإسكندرية ووفاة أحدهما» «إصابة ثلاثة عمال سقطت بهم سقالة فى قرية فى الساحل الشمالى» «مصرع عامل بناء سقطت به السقالة فى الشرقية» وغيرها الكثير من سقوط العمال من أعلى سقالات على مدار أقل من شهر واحد فقط.

المؤكد أنه ليس موسم سقوط سقالات. والمؤكد أيضاً أننا نؤمن بالقضاء والقدر والأعمار المكتوبة والمحددة سلفاً. لكن المؤكد أيضاً أن لدينا مصيبة، وليست مشكلة فيما يتعلق بمنظومة السلامة والأمان. وهى منظومة لا تقتصر على السقوط من أعلى السقالات، ولكنها تمتد إلى كل تفاصيل إجراءات السلامة أثناء العمل، لا، ليس العمل فقط، ولكن فى أغلب تفاصيل الحياة.

تابعت تعليق مستشار وزير العمل للسلامة المهنية السيد خالد عبدالله على واقعة إصابة ثمانية عمال إثر سقوط جزئى لسقالة فى بنها. قال إن الأخشاب المتهالكة المستخدمة فى بناء السقالة، وقلة وعى العمال أهم أسباب الحادث، وإنها مشكلة متكررة «مع المقاولين والعمال» وإن «السقالة مسئولية المقاول»، وإن وزارة العمل تتابع حركة البناء على مستوى الجمهورية، وإن حملات التفتيش مستمرة.

أرى المشكلة أعمق وأكبر وأخطر من تحديد الجهة المسئولة عن السقالة، وحالة الخشب، وموقف المقاول، ووعى العامل. سقالات البناء، وتركيب لوحات الإعلانات على الطرق، وأعمال البناء والطلاء لا فى المشروعات الكبرى فقط، ولكن تلك الخاصة بالشقق السكنية والعمارات والفيلات، وتركيب أجهزة التكييف، وأعمال السباكة التى تتطلب «شعلقة» العامل فى «منور» عمارة من الخارج، وغيرها الكثير ليست نتاج اليوم، ولا تقتصر على صفحات الحوادث، ولكنها منظومة معروفة وقديمة.

مشهد العامل المعلق بين السماء والأرض، سواء كان مربوطاً بحبل بدائى، أو معتمداً على قدرته على حفظ توازنه لا يلفت انتباه الغالبية التى اعتادته. أحياناً أشعر أننى الوحيدة التى أصاب بفزع بالغ أمام هذه المشاهد المتكررة. على مدار سنوات، تحول الفزع إلى شعور بالضعف وقلة الحيلة. من تجارب شخصية فى الحديث مع بعضهم، فوجئت أن فكرة اتباع إجراءات أمان ولو بدائية، ينظر إليها باعتبارها تشكيكاً فى قوة العامل وبأسه ورجولته!! آه والله. ليس هذا فقط، بل إن بينهم من يسخر من الزملاء الذين يخشون السقالة وغيرها من أعمال تتطلب «الشعلقة» فى الهواء، أو يطلبون أن يتم ربطهم بحبل على سبيل الاحتياط.

أعرف شاباً تعرض لحادث كاد يفقده حياته قبل سنوات، بعد ما وقع من على دراجته النارية، وارتطمت رأسه بالرصيف، ولم يكن يرتدى الخوذة الواقية. ظل راقداً فى غيبوبة لأيام، وحدثت المعجزة وأفاق، وأخبره الأطباء أن عودته إلى الحياة أشبه بمعجزة، وأنه لو كان يرتدى خوذة لاقتصرت إصاباته على كدمات وخدوش. وبعد أشهر عاد لحياته العادية، وقاد دراجته النارية بدون خوذة. سألته وأنا أكاد لا أصدق، فجاء رده: دى حاجات بتاعة ربنا. ولا 100 خوذة ستمنع القدر».

القانون، وتطبيقه، واستدامة التطبيق فى حد ذاتها معضلة، لا فى حماية العمال من الوقوع من السقالات، ولكن فى الكثير من المجالات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوانين السير والقيادة، وتلك المتعلقة بحماية وصون الأماكن العامة مثل الأرصفة والشوارع وحرم محطات ومواقف المواصلات العامة وغيرها، ومكبرات الصوت، والقمامة والنظافة العامة، وغيرها.

المعضلة الأخرى التى تسير بالتوازى مع مشكلات تطبيق القانون (أو عدم تطبيقه أو تطبيقه يوم آه ويوم لأ) تتعلق بالثقافة والوعى. وأخشى من أن يتم اختزال الأمراض المتعلقة بالوعى فى اعتبار المساجد والكتاتيب الحل الوحيد.

ثقافتنا ووعينا «بعافية». ومفاهيمنا الشعبية المتعلقة بالأمن والسلامة متداخل فيها عنصر الإيمان بالقضاء والقدر. الإيمان بالغ الأهمية، لكن التحجج به لتبرير أو تعليل أو تمرير إهمال أو جهل أو تقاعس أو تهاون جريمة.

الثقافة لا تُبنى بين يوم وليلة، والوعى لا يتكون بإضافة مقادير وخلطها والخروج بوعى جديد صحى إيجابى يواكب القرن الـ21 لا القرن الـ12. حين تتشابك مفاهيم الرجولة والجدعنة والجسارة بألف باء السلامة، فهذا يعنى عواراً مميتاً. وحين يغيب مفهوم حق الناس فى أماكن وفضاءات عامة للجميع، لا لفئة قررت أن تحتلها أو تعتبرها ضمن «أكل عيشها»، وحين يتم النظر إلى بديهيات النظافة، سواء الشخصية أو العامة، باعتبارها رفاهية أو اختيارية، فهذا يعنى أننا فى وضع يحتاج الكثير من التدخلات المستدامة، لا الموسمية لإعادة بناء الوعى وصناعة الثقافة.

كلمة أخيرة، مع كل الاحترام لزملاء المهنة، دغدغة المشاعر بمسميات «شهيد لقمة العيش» لوصف أبناء الوطن الذين يفقدون حياتهم نتيجة إهمال وتهاون وثقافة مهلهلة، هى مساهمة فى المزيد من اختلاط المفاهيم وتغييب العقول.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العامل والسقالة والوعي العامل والسقالة والوعي



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon