«أم الاتفاقات» مجرد بداية
أخر الأخبار

«أم الاتفاقات» مجرد بداية

«أم الاتفاقات» مجرد بداية

 السعودية اليوم -

«أم الاتفاقات» مجرد بداية

سوسن الأبطح
بقلم : سوسن الأبطح

قبل عشرين عاماً، بدأت المفاوضات التجارية بين أوروبا والهند وتوقفت. لكن رسوم الرئيس دونالد ترمب الجمركية، وتهديداته شبه اليومية، وهجومه للسطو على غرينلاند، وإهاناته المتواصلة، جعلت الاتحاد الأوروبي يقبل أخيراً بما كان يعدّه مستحيلاً.

وُلد اتفاق التجارة الحرة الذي طال انتظاره، لا بعد اقتناع الاتحاد الأوروبي بضرورة التنازل عن بعض البنود، ومنها ما يتعلق بحقوق الإنسان، وإنما لحاجة ملحة لتوجيه رسالة لأميركا، بأي ثمن، تظهر أن البدائل جاهزة، والحلول ممكنة، وسوق الولايات المتحدة ليست نهاية العالم.

«أم الاتفاقات» بين الهند و27 دولة أوروبية تفتح أبواب التجارة الحرة، بين منطقتين يعيش فيهما مليارَا شخص، هي «مجرد بداية» طموحة حسب رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين. وهي شراكة غير مسبوقة بين أقرب شريك تقليدي لواشنطن، وبلد يعدّ من بين أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، لكنه بقي محمياً ومغلقاً.

أوروبا تصدر السيارات، الكيماويات، المنتجات الهندسية والخدمات، والمشروبات الكحولية، والهند تبادلها المنسوجات، الأدوية، الإلكترونيات والصلب وأشياء أخرى. لكن الأهم ربما، الذي لم ينتبه إليه أحد، هو تصدير الطلاب الهنود على نحو واسع إلى أوروبا بعد أن استغنى عنهم ترمب، وفتح السوق الأوروبية أمام المهارات الهندية، وخصوصاً في مجال التكنولوجيا والهندسة. فالديموغرافيا الذكية نقطة في غاية الحساسية. هكذا تنوع أوروبا من مهاجريها، بدل هذا السيل الكبير من العرب والمسلمين، وتستبدل بهم الهنود الماهرين.

هذا يأتي بعد أيام فقط من إعلان رئيس وزراء كندا مارك كارني عن الاتفاقات التجارية التي عقدها مع الصين، ويبدو أنها استفزت أميركا. ومع ذلك فإن المكالمة بين كارني وترمب، جعلته يؤكد للأخير أنه لن يتراجع، بل على العكس، فقد عقدت كندا 12 صفقة خلال الأشهر الستة الأخيرة، مع دول في أربع قارات، مما فاجأ ترمب. أما الرد فجاء على أوروبا سريعاً، حيث اتهمها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، بأنها تفتح أبوابها لبلد يستورد النفط الروسي ويعيد إنتاجه، ويصدره إليها مختارة. «إنهم يمولون الحرب ضد أنفسهم، ونحن نحاول إطفاءها».

التنويع في التبادلات التجارية فيه إصرار من الدول الغربية الحليفة لأميركا على أنها مقابل رفع الحواجز الجمركية التي سعى إليها ترمب، تصرّ على مبدأ التجارة الحرة، وتعدّه أساساً للنمو. أما الهدف الثاني فهو إنقاذ اقتصاداتها الذي تعاني إفلاسات وانهيارات متلاحقة مع مديونيات كبرى، لا بالاستغناء عن أميركا وإنما فتح مسارات إضافية؛ كي لا تبقى مرتهنة كلياً للأخت الكبرى التي تعبت وأنهكت وتعلن ذلك في كل مناسبة.

رغم ما أحدثته الاتفاقية الأوروبية مع الهند من ضجيج، فإنها ليست الوحيدة؛ فقد أبرم اتفاق بين أوروبا وبعض دول أميركا اللاتينية لا يزال يتعثر، ويتم تكثيف المفاوضات بين حلفاء أميركا الكبار ودول في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك إندونيسيا ودول عربية، كرد على الانسحابات الأميركية من المنظمات الدولية، وتهديداتها العقابية التي لا تميز عدواً من صديق. وأسوأ ما ترتكبه أميركا أنها تجيّش الجميع ضدها، في وقت واحد. حتى الهند وجدت في الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي رداً مناسباً على التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب على عشرات الدول ولم تتمكن الهند من الوصول إلى اتفاق بشأنها. لذلك لجأت كما فعلت أوروبا إلى البحث عن شركاء هي الأخرى، ووقعت اتفاقيات تجارية مع بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وغيرها.

كل يبحث عن شركاء جدد لتحقيق التوازن المفقود، في عالم يتصدع ويبتلع الضعفاء بلا رحمة. أما الهند فمغرياتها للشراكة معها كثيرة: دولة صاعدة، نموها مضطرد، تعاني من بطء في التصنيع، والاستهلاك، وبحاجة لإنعاش سوقها وجذب الاستثمارات.

حين يقال إن «أم الاتفاقات» «خريطة طريق ومجرد بداية»، فهذا صحيح؛ لأن الخرائط التجارية والجيوسياسية ترسم بالتدريج، لكن بسرعة تذهل صناع القرار أنفسهم، الذين يشعرون بأن الأمور تفلت منهم، فالاتفاق بين الاتحاد الأوروبي والهند الذي ميزانهما التجاري بحدود 120 مليار دولار في الوقت الحالي، على أمل أن يتضاعف في السنوات الخمس المقبلة، على أهميته لا يمكن مقارنته بالميزان التجاري الأوروبي مع الصين الذي وصل إلى 854 مليار دولار سنوياً، في غالبيته لصالح الأخيرة. ومع ذلك تجد أوروبا صعوبة قصوى في إسقاط الحواجز مع الصين لأسباب آيديولوجية ونفسية. لكنها عقبات لا بد ستذلل، في النهاية، تحت ضغط الأمر الواقع الشرس الذي يهاجم الجميع.

ما ينظر إليه حلفاء أميركا على أنه محنة، قد يكون إشارات صحية إلى أن العالم بدأ ينفتح على بعضه، بحكم الحاجات والتوازنات الفعلية، بدل التكتلات القديمة المجحفة، القائمة على الاحتكار والعصبية والآيديولوجيات الرثّة المتوارثة من الحرب العالمية الثانية. فمن يملك السلعة والمهارة، هو فقط من يفرض نفسه على الجميع.

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أم الاتفاقات» مجرد بداية «أم الاتفاقات» مجرد بداية



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon