صراع الأحبة

صراع الأحبة

صراع الأحبة

 السعودية اليوم -

صراع الأحبة

سوسن الأبطح
بقلم : سوسن الأبطح

نعيش أحداثاً كانت حتى الأمس خيالية. القوى الاستعمارية الغربية التي حكمت العالم، بالتكافل والتضامن، ووزّعت ثرواته، تنقسم على نفسها، ويهدد بعضها البعض.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصف علناً حليفته الأقرب بريطانيا بـ«الغباء»، لأنها تخلت عن جزر تشاغوس، رغم أن الأمر تم بموافقته. يسخر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ويهدده بضرائب 200 في المائة، ثم ينشر على منصته «تروث سوشال» رسالة منه نصية يفترض أنها سرية، في ازدراء مهين. يصف ترمب القادة الأوروبيين بـ«الضعفاء»، وبأنهم يذهبون بحضارتهم إلى «الاندثار»، وعليهم أن يذعنوا لتسليمه جزيرة غرينلاند، وإلا سيخضعون لرسوم جمركية غير مسبوقة. فهم أضعف من أن يحموا «صخرة متجمدة»، أو ينهوا حرباً في أوكرانيا.

يتصدع حلف شمال الأطلسي، أقوى تحالف عالمي دام قرابة 100 سنة. تنهار منظومة دولية، وزعت المغانم، وتقاسمت المصالح، وطغت وتجبرت، وبدأت بسبب الشحّ الكبير والجشع المتزايدين، «تتناتش» الحصص من جديد في ما بينها.

أوروبا تنسلخ عن أميركا بمرارة علقمية. كندا تتجرع سمّ الاتفاقات التجارية الجديدة مع الصين بعد جفاء طويل، ويقود رئيس وزرائها مارك كارني، حركة تمرد في مواجهة الاستبداد الأميركي، معتبراً أن «الماضي قد ذهب إلى غير رجعة»، ويدعو الأوروبيين، أو ما يسميه الدول المتوسطة، إلى وقفة موحدة.

الأوروبيون مقتنعون الآن أن الرضوخ الذي اتبعوه طوال السنة الأولى من حكم ترمب سيزيد من جرأة الرئيس الأميركي ويفاقم عنجهيته.

من غرينلاند، الجزيرة القطبية، تنطلق الشرارة، لا لأنها موقع استراتيجي، أو منجم للمعادن النادرة تريد أن تستثمرها أوروبا وتنازعها أميركا، بل لأنها تفتح ملف المستعمرات المتقاسمة على مصراعيه. قالها ترمب: «الدنمارك وصلت إلى هناك قبل 300 سنة بقارب. ونحن نصل بقواربنا».

ضمناً لا يرى ترمب في الجزيرة سوى أرض متنازع عليها بين مستعمرين. السكان الأصليون «الإنويت» يشكلون غالبية ساحقة من السكان، البالغ عددهم 65 ألفاً، يأنفون من التكالب على ثرواتهم، ويفضلون الدنمارك رغم أنها فعلت بهم ما لا يصدق.

في ستينات وسبعينات القرن الماضي، قامت الدنمارك بتعقيم آلاف النساء والفتيات الصغيرات من الإنويت، بعضهن لم تتجاوز 12 سنة. قضية عرفت في ما بعد بـ«اللولب الرحمي». استغفلت الإنويات، ومورست عليهن عمليات التعقيم هذه من دون إذنهن أو معرفتهن. بعضهن حقنّ بإبر هرمونية، أو أخضعن للإجهاض. ورغم الاعتذار الرسمي الذي جاء قبل أشهر فقط، فإن تهمة «الإبادة الجماعية» تحوم حول الدنمارك. هذا غيض من فيض ما ذاقه السكان، قبل أن يحظوا بحكم ذاتي، أصبح ناجزاً عام 2009.

الجزيرة ليست جزءاً من الاتحاد كما تدّعي أوروبا، لأن حكومة غرينلاند خرجت من الاتحاد الأوروبي عام 1985 بعد استفتاء شعبي، وإن بقيت تحت سلطة مملكة الدنمارك. واختار الإنويت صيدهم وبيئتهم، على قوانين الاتحاد التي كانت تفرض عليهم جوراً، ولخوفهم من استغلال مواردهم الطبيعية.

هذا لا يعطي أميركا حق الاستيلاء عليهم، أو يبرر قرصنة أراضٍ، وتجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها.

الدنمارك أتاحت لأميركا استثمارات في الجزيرة، والقواعد العسكرية كذلك، أما الإصرار على فتح صراعات فأمر فيه قصر نظر لأسباب عدة.

أميركا بحاجة لثروة سهلة وسريعة. صخور المعادن النادرة هناك لا تزال مغطاة بالجليد، وهي موضع طمع أوروبي أيضاً. وثمة مشروع كبير لاستخراجها. لكن كل النتائج ستتأخر، لأن الاستخراج على صعوبته أمر، والتكرير شأن آخر، تحتكره الصين إلى اليوم، لما تمتلك من مهارات، حيث تلجأ إليها أميركا للحصول على حاجتها. أما الإنويت فعلى قلتهم لن يستسلموا للهجمة.

حتى من دون صكّ ملكية، متاح لأميركا أن تفعل ما تريد في غرينلاند، بما في ذلك مراقبة الملاحة البحرية ومنع كل الأعداء من إقامة مشاريع، إلا أن أميركا تريد السطوة والهيمنة، ما دامت غرينلاند مجرد مستعمرة.

كندا بهذا المعنى، قد تكون في نظر ترمب المطمع المقبل. هذا ما يخشاه رئيس وزرائها كارني. وبدأت كندا بوضع خطة افتراضية، ترسم سبل الدفاع عن نفسها على طريقة العصابات المسلحة، في حال تعرضت للغزو الأميركي. فكندا، يصح القول إنها مستعمرة أيضاً، وعلى المدى البعيد أميركا الشمالية كلها. هكذا يأكل المستعمر القوي حليفه القديم، ويستولي على ما استطاع.

ومن الصعب فصل كل هذه المطامع الاستعمارية، عما يحدث في غزة والاستيلاء على الثروة البترولية على شواطئها، والاستثمار فيها كممر ومنفذ تجاري على البحر، والتخلص من السكان الغزيين بالقتل الجماعي، لا التعقيم هذه المرة. وربط هذا بمخططات إسرائيل للاستيلاء على أرض الصومال.

المستعمرون هم أنفسهم الذين عرفناهم في القرن التاسع عشر، يتصارعون على الأراضي والثروات. يعودون بأقنعة جديدة، وحجج تمويهية. الأصل هو في النوايا والمرامي، التي بقيت ثابتة، لكن موازين القوى تتغير، ونوعية الثروات تتبدل، ويعيد التاريخ نفسه.

إنما الغرب هذه المرة يصارع من أجل البقاء، وانتزاع ثروات، تمدد في عمره. ولعل أسوأ ما ترتكبه أميركا أنها كالصاروخ الذي يفترض أنه كلما تخفف من أعبائه (حلفائه) ينطلق أسرع، لكنه بدلاً من ذلك، يقصّ جناحيه اللذين كان بهما يحلّق.

arabstoday

GMT 19:45 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

عالم متغير يزيل الأمم المتحدة وينعش أنظمة إقليمية!

GMT 19:43 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

علي سالم البيض... بطل حلمين صارا مستحيلين

GMT 19:42 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

ترامب والتخلص من الإتحاد الأوروبي…

GMT 19:42 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

GMT 19:41 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان

GMT 19:40 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

التجارة الحرام

GMT 19:38 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

إيران... إصلاح النظام لا إسقاط الدولة

GMT 19:02 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

أفكار خارج الصندوق!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع الأحبة صراع الأحبة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 20:53 2026 الأربعاء ,21 كانون الثاني / يناير

دليل عملي لاختيار لون الجدران المثالي يضفي على المنزل أناقة
 السعودية اليوم - دليل عملي لاختيار لون الجدران المثالي يضفي على المنزل أناقة

GMT 18:56 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

المأكولات الحارة ودورها في تفاقم التهاب المسالك البولية
 السعودية اليوم - المأكولات الحارة ودورها في تفاقم التهاب المسالك البولية

GMT 16:53 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

سيد رجب ينافس في سباق رمضان 2026 بـ «بيبو» و«هي كيميا»
 السعودية اليوم - سيد رجب ينافس في سباق رمضان 2026 بـ «بيبو» و«هي كيميا»

GMT 17:09 2020 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

التعادل السلبي ينهي مباراة تونس ضد السينغال

GMT 21:29 2020 الأحد ,31 أيار / مايو

عباءات للمحجبات من وحي مها منصور

GMT 04:01 2019 الثلاثاء ,23 إبريل / نيسان

سيدة إماراتية تصحو من غيبوبة استمرت 30 عامًا

GMT 11:07 2019 الخميس ,11 إبريل / نيسان

موجة ضحك في مطار أسترالي بسبب سائح صيني

GMT 16:09 2019 الأربعاء ,23 كانون الثاني / يناير

متاجر في اليابان تتوقف عن بيع المجلات الإباحية

GMT 03:35 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

ترامب يطلب من وزارة الدفاع وضع خطة لمهاجمة إيران

GMT 00:04 2019 الأحد ,06 كانون الثاني / يناير

معسكر لفريق "اتحاد جدة" في الدمام والمحترفين ينتظمون

GMT 21:51 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشباب يُعلن تجديد عقد الروماني جامان لمدة موسم واحد

GMT 12:27 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

عادل خزام يكشف عن طريقة توظيفه للمعاني خلال الشعر

GMT 22:47 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أنواع مختلفة من الماء يمكن استخدامها للعناية ببشرة الوجه

GMT 08:43 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الأمير فيصل بن بندر يشرف حفل سفارة تركمانستان

GMT 18:06 2018 الأربعاء ,01 آب / أغسطس

"فن ترجمة الشعر" محاضرة في فنون أبها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon