موت الأخلاق

موت الأخلاق

موت الأخلاق

 السعودية اليوم -

موت الأخلاق

سوسن الأبطح
بقلم : سوسن الأبطح

يموت بالقصف الإسرائيلي 100 لبناني كل يوم، ووصل عدد الجرحى إلى 1444 منذ بدء الحرب الحالية، ولا نزال في الأيام الأولى. ما يقارب مليون شخص غادروا منازلهم بسبب التهديدات المتلاحقة التي تطالبهم بالإخلاء القسري أو الموت. مساحة لبنان تضيق بساكنيه، ثمة اختناق ديموغرافي. أكثر من ثلث الأراضي اللبنانية لم تعد آمنة. الجغرافيا تتقلص، وقد أُفرغ الجنوب والبقاع وأجزاء من بيروت، تحت هول التهديد.

يفاخر وزير الجيوش الإسرائيلي يسرائيل كاتس لأن «تهجير مليون لبناني دليل على قوة إسرائيل». قبل سنوات قليلة، كان تصريحاً كهذا يخجل منه المسؤولون، ويعتبر جريمة حرب يعاقب عليها القانون. لكن النظام الدولي يتهاوى، والمكان أقرب إلى غابة، فيما المشهد على ما هو عليه «أبوكليبسي».

عندما قتل 100 مدني في «مجزرة قانا» في جنوب لبنان التي ارتكبتها إسرائيل عام 1996 خلال حرب «عناقيد الغضب»، روّعت مشاهد الجثث العالم، وانتشرت موجة سخط على إسرائيل، لم تعرف كيف تنجو منها، ورضخت لتحقيق أثبت عدوانيتها. يومها احتمى ما يقارب 100 مدني معظمهم من النساء والأطفال في مركز للأمم المتحدة ظناً منهم أنهم في مأمن، لكن إسرائيل قصفتهم عمداً. تلك كانت فضيحة للجيش الإسرائيلي، مشاهد الجثث الممزقة هزّت الوجدان، وأثارت استنكاراً، حرك الدبلوماسية على عجل. وتحت هول الكارثة أوقفت الحرب فوراً. في قانا اليوم مقابر المئة الذين قتلوا من غير ذنب، مزاراً لمن يريد أن يعتبر، لكن الأمر تغير كلياً. قتل 100 شخص بات روتيناً يومياً لا يحرك شعرة، ولا يهزّ ضميراً، وتنجح إسرائيل في كل مرة في اختبار الصمت العالمي.

قبل قانا بعام واحد كانت مجزرة «سربرنيتسا» نقطة تحول كبرى، بسبب اليقظة الضميرية. فبعد أن انتزع سلاح سكانها المسلمين بقرار من الأمم المتحدة، ووضعهم تحت الحماية الدولية، اجتاحت قوات صرب البوسنة بقيادة راتكو ملاديتش هذه المنطقة التي يفترض أنها آمنة. فصلوا الرجال والفتيان عن النساء، وأعدموهم بشكل جماعي. قُتل أكثر من 8 آلاف من المسلمين، في مجزرة وصفت وقتها بأنها «أسوأ مجزرة تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية». على إثره، ومع استمرار الحصار الصربي لسراييفو، اتخذ «الناتو» قراراً بالردّ على هذه «الوحشية»، وفعل. تغيرت موازين القوى، وبدأت مفاوضات أدت إلى اتفاقية «دايتون للسلام». قيم الفروسية التي حاولت تبنيها الأمم المتحدة انتهت، سقطت بالضربة القاضية.

لا مائة جثة كل يوم ولا مائة ألف في غزة هي قرابين كافية لإطلاق الأفواه المكممة عن قول الحق. المدنيون مجرد «أهداف» وفي أحسن الأحوال «أضرار جانبية». معارك تقتل مئات الأرواح تسمى «تصعيداً»، واحتلال لعشرات الكيلومترات بالكاد يسمى «توغلاً» مع أن ما نعيشه أكثر من «تغول».

عندما يصبح الموت الجماعي حرفة يومية تموت الإنسانية في الجلاد قبل أن تموت الضحية نفسها. الخشية أن كلمة «مجزرة» لم تعد تعني شيئاً، والاغتيالات أصبحت تقليداً، والتشرد قدراً، ومئات آلاف الأطفال بلا مدارس نموذجاً، وبعد أن كانت النساء يطالبن بحق العمل والسفر والمساواة في الراتب، صار أقصى حلم لنازحة في اليوم العالمي للمرأة «أن تحفظ السماء لكل امرأة بيتها».

الجيوش في حروبها تحتاج القضاء على أهداف عسكرية كي تنتصر، أما حين يكون المطلوب احتلالاً وتوسعاً وهيمنة، تصبح الأرض المحروقة سبيلاً، والفوسفور الأبيض أنجع الأسلحة لقتل الحياة في التربة، والسفك العشوائي وسيلة للإبادة.

في رواية كافكا البديعة «المسخ» يتحول غريغور سامسا إلى حشرة عملاقة، ومع ذلك لا يفزع ولا يهلع، يبقى بارداً متبلداً، لكنه يعيش غريباً عن ذاته وجوهره.

فالمسخ لم يصبح مجرد حشرة قذرة من تلقاء نفسه، فقد تحول إلى صرصور ضخم تحت ضغط الحياة المادية القاسية، واستعباد العالم له كإنسان كادح في ظل نظام رأسمالي يجرده من إنسانيته، ومن كل صفاته البشرية.

مسوخ نحن وسط هذا الجحيم، الذي حوّل وجودنا إلى مجرد رحلة بطيئة، بشعة وقاتمة. ولم يعد أمامنا وسط هذه الفوضى، سوى أن نسأل: «ماذا يجري حولنا؟».

وقبل أن ننسى. شكراً للمندوب الروسي في الأمم المتحدة، الذي امتلك الشجاعة والمروءة ليذكّر بأن «الجيش الإسرائيلي يستخدم القوة في لبنان بشكل مفرط»، لعل هذا أقصى ما يجب أن نتمناه!

 

arabstoday

GMT 23:58 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

بلا نهاية

GMT 23:56 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

هل هي لحظة مناسبة في اليمن؟

GMT 23:54 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

أمريكا وعقدة الشرق الأوسط

GMT 23:47 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

الذئب الذئب

GMT 23:39 2026 الثلاثاء ,14 تموز / يوليو

احتكار اللعبة

GMT 23:25 2026 الأحد ,12 تموز / يوليو

كرة قدم... حبٌّ وكرهٌ عنيف

GMT 23:23 2026 الأحد ,12 تموز / يوليو

بين جدّية الرياضة... وعبثية السياسة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

موت الأخلاق موت الأخلاق



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - السعودية اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 02:00 2018 الأربعاء ,05 أيلول / سبتمبر

تناولي ملعقة من القرفة والترمس والحلبة لتفقدي وزنك

GMT 10:29 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تامر أمين يطلب طلبًا غريبًا من عادل إمام

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

نصائح لتكثيف الحواجب للتمتع بإطلالة أنيقة تعرفي عليها

GMT 10:11 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج القوس الإثنين 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 17:46 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب الهلال يجهز الفريق لمواجهة الوحدة الأحد المقبل

GMT 03:14 2017 الإثنين ,26 حزيران / يونيو

بليبل يؤكد أن "أرباب العمل" يحظى بأهمية استثنائية

GMT 15:07 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

طالب جامعي في أوهايو يغتصب امرأة فاقدة الوعي

GMT 05:40 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

حالة الطقس المتوقعة الثلاثاء في السعودية

GMT 21:01 2017 الجمعة ,06 تشرين الأول / أكتوبر

القوات الحكومية السورية تُطرد "داعش" من ريف حمص الشرقي

GMT 02:37 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

السعودية تشارك في الاحتفال باليوم العالمي للإيدز

GMT 04:10 2015 الأربعاء ,02 كانون الأول / ديسمبر

توسيع منطقة السركال أفنيو للفنون في دبي

GMT 10:01 2017 السبت ,19 آب / أغسطس

فوائد مذهلة وعظيمه لقشر المانجو

GMT 03:47 2016 السبت ,13 شباط / فبراير

افتتاح معرض للتطريز البرازيلي في جدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon