«كورونا» والسياسة

«كورونا» والسياسة

«كورونا» والسياسة

 السعودية اليوم -

«كورونا» والسياسة

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

في ساحة الصراعات الدولية يصبح كل شيء تقريباً قابلاً للتسييس، حتى الأمراض والأوبئة. لهذا السبب فإننا قد نكون محتاجين لفرز الحقيقة من الدعاية، والعلم من السياسة في التعامل مع الضجة المثارة منذ أسابيع حول فيروس «كورونا» التي غذّتها أيضاً شائعات الإنترنت وكثير من القصص الخيالية المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي. فالفيروس الذي ظهر في ووهان بمقاطعة هوبي الصينية، أصبح في بعض جوانبه قضية خلافية في الساحة الدولية، وتحول إلى موضوع للشد والجذب وتبادل الاتهامات بين الصين والولايات المتحدة.

هذا الكلام لا يعني بأي حال التقليل من خطورة فيروس «كورونا» أو «كوفيد - 19» كما يعرف علمياً، ولا التهوين من الجهود التي تُبذل لاحتوائه ومنع انتشاره، بل المقصود هو أن التضخيم الإعلامي، وعوامل السياسة، تلقي بظلالها على بعض مما يجري حالياً في ظل هذه الأزمة الصحية.

فعندما تسمع أو تقرأ في إطار التغطيات لأزمة فيروس «كورونا» انتقادات للصين من باب الحريات والانغلاق السياسي، لا بد أن تشعر بأن هناك تسييساً لقضية هي بالأساس صحية. وعندما تسمع مقابلات في وسائل إعلام غربية مع ناشطين سياسيين في هونغ كونغ يتحدثون عن الفيروس قليلاً ثم يركزون على موضوع الديمقراطية والحريات وعدم الثقة بنظام بكين، تدرك أن هؤلاء ليسوا أطباء ولا مختصين، ولم يكن يُتوقع منهم سوى نقل القضية إلى ساحة المعارضة السياسية والمعركة الدائرة مع بكين.

هناك من يرى أن القضية أصبحت مسيسة واستقطابية في الساحة الدولية لأن الفيروس القاتل ظهر وانتشر في القوة الآسيوية التي تسعى لتحقيق تفوق عالمي، ويعدّها الغرب، وعلى الأخص الولايات المتحدة، عدواً محتملاً ومنافساً استراتيجياً يُحسب له ألف حساب.

ربما لو أن الفيروس قد بدأ في بلد صغير من دون طموحات عالمية، لربما كانت الضجة أخف، وردود الفعل الدولية أقل حدة وإثارة للجدل. لكن حدوثه في الصين وفي هذا التوقيت جعل الأمر مختلفاً. لماذا؟ لأن الصين «قنبلة سكانية» لو انفجرت سيصيب رذاذها العالم كله، وهي في الوقت ذاته «مصنع العالم» الذي لو تعطل لأصاب بالشلل، ولو جزئياً، الكثير من الشركات العالمية، ولحق الضرر بالاقتصاد العالمي كله. فهذا المارد الآسيوي أصبح أحد محركي الاقتصاد العالمي، إلى جانب أميركا، بل يتجه لأن يصبح القوة الاقتصادية الأكبر متجاوزاً أميركا بكل ما يعنيه ذلك من تغيرات جيوسياسية هائلة.

أما بالنسبة للتوقيت فإن الفيروس ظهر في وقت كان فيه الشد والجذب بين واشنطن وبكين على أشده، والحرب الكلامية في ذروتها، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تطاله التجاذبات. فبكين عدّت مسارعة أميركا لمنع دخول كل الأجانب القادمين من الصين، ووقف رحلات شركات الطيران الأميركية من وإلى المدن الصينية، خطوات مبالغاً فيها ووضعتها في إطار ما تراه محاولات من واشنطن لإضعافها وعزلها دولياً وضربها تجارياً واقتصادياً. وخرج وزير الخارجية الصيني لينتقد الإجراءات الأميركية ويقول إنها تهدد الاتفاق التجاري الذي توصل إليه البلدان بعد مفاوضات استغرقت سنتين لإنهاء الحرب التجارية والإجراءات العقابية المتبادلة بينهما منذ أن صعّد الرئيس دونالد ترمب مواقفه ضد الصين معلناً أنه لن يسمح لها باستغلال بلاده أو بالمنافسة غير المتكافئة.

كذلك ردت بكين على الانتقادات العنيفة الصادرة من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، وقالت إنه في جولته الأوروبية الأخيرة خصص معظم وقته لمهاجمة الصين ولمحاولة الضغط على الدول الأوروبية في موضوع الاستعانة بتقنية «الجيل الخامس» من شركة «هواوي». كما كررت اتهامها لواشنطن باستغلال فيروس «كورونا»، مشيرةً عبر وسائل إعلامها إلى أنه عندما بدأ فيروس إنفلونزا الخنازير في الولايات المتحدة عام 2009 وتسبب في إصابة أكثر من 61 مليون شخص ووفاة نحو 284 ألف شخص في 214 دولة (بعض التقديرات وضعت عدد الوفيات في حدود 500 ألف) كانت ردود الفعل العالمية أقل هستيرية، مقارنةً بفيروس «كورونا» اليوم الذي بلغ عدد المصابين به 75 ألفاً في الصين وحدها، ونحو ألف شخص خارجها، والوفيات نحو ألفين في الصين. وأضافت أنه وقتها لم يوقف بلد الرحلات الجوية إلى الولايات المتحدة أو يمنع دخول الرعايا الأميركيين.

الواقع أن التغطية المحمومة والانتقادات سياسية الطابع للصين لم تهدأ على الرغم من مساعي منظمة الصحة العالمية لطمأنة العالم بشأن فيروس «كورونا» بتأكيدها أنه خارج مقاطعة هوبي وسط الصين، تعدّ نسبة الإصابات محدودة، خصوصاً إذا استثنينا الإصابات في الباخرة السياحية «دايموند برينسس» الراسية قبالة اليابان التي بلغت الإصابات فيها 621 حالة. ففي البلاد الثلاثين التي رُصدت فيها حالات إصابة بالفيروس بلغ عدد الإصابات نحو 900 بينما لم يتجاوز عدد الوفيات خمسة فقط توزعت بين اليابان وتايوان وهونغ كونغ والفلبين وفرنسا.

تداعيات فيروس «كورونا» ليست سياسية فقط، بل إن الجانب المتعلق بالتأثيرات على الاقتصاد العالمي قد يؤدي إلى تعقيد التوترات العالمية والتحديات المحلية في العديد من البلدان. ففي الوقت الذي يحذّر فيه خبراء من أن الاقتصاد العالمي ما زال يواجه خطر الركود والانكماش الاقتصادي، فإن أي أزمة في الصين، صحية مثل «كورونا» أو سياسية، ستكون لها تداعيات خطيرة على العالم كله وليس على الصين وحدها.

ولأن الكثير من الشركات العالمية تعتمد اليوم على إنتاج سلعها كلياً أو جزئياً في الصين فإن تأثيرات أزمة فيروس «كورونا» ظهرت سريعاً عليها بما في ذلك العديد من الشركات الأميركية للمفارقة. مبيعات تليفونات «أبل» مثلاً التي تتمركز صناعاتها في مراكز «أبل» في الصين، تأثرت. صناعة السيارات أيضاً تعاني مشكلات نقل قطع الغيار من الصين، إذ قررت شركة «جاغوار لاند روفر»، أكبر شركة لصناعة السيارات في بريطانيا، نقل قطع غيار سياراتها من خارج الصين «في حقائب آمنة» في سباق مع الزمن لمنع إغلاق مصنعها في بريطانيا بحلول نهاية الشهر.

وفي أوائل فبراير (شباط) الحالي، قالت شركة «فيات كرايسلر» إن أحد مصانعها الأوروبية قد يضطر إلى وقف الإنتاج في غضون أسابيع بسبب مشكلات الحصول على أجزاء رئيسية من الموردين الصينيين. كذلك تعاني شركات «تويوتا» و«هيونداي» و«فولفو» من تعطل سلاسل الإمدادات الخاصة بها بسبب صعوبة إخراج المكونات من الصين نظراً للوضع هناك.

أزمة فيروس «كورونا» يُفترض أن تكون صحية وينبري العالم لمعالجتها من هذا المنظور، لكنها تداخلت مع تعقيدات السياسة، ومع أكبر وأهم صراع يشهده العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكيكه، وهو الصراع الأميركي - الصيني على الصدارة الاقتصادية، بكل ما يعنيه ذلك على السياسة الدولية. فالصورة اليوم أكثر تعقيداً والمعركة بين القطبين أشد مما كان عليه الحال خلال أزمة «سارس» أو إنفلونزا الخنازير.

arabstoday

GMT 09:20 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

أخبار المتزوجين

GMT 09:15 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

أخبار من ايران وغيرها

GMT 05:49 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

«قيصر» يقتحم أبوابكم!

GMT 04:28 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

3 سنوات قطيعة

GMT 04:19 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

مسكين صانع السلام

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«كورونا» والسياسة «كورونا» والسياسة



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - رئيسة وزراء الدنمارك تزور غرينلاند بعد تراجع تهديدات ترمب

GMT 18:48 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
 السعودية اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 16:53 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

سيد رجب ينافس في سباق رمضان 2026 بـ «بيبو» و«هي كيميا»
 السعودية اليوم - سيد رجب ينافس في سباق رمضان 2026 بـ «بيبو» و«هي كيميا»

GMT 17:05 2026 الخميس ,22 كانون الثاني / يناير

TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات
 السعودية اليوم - TeraWave هل ستغير قواعد الإنترنت الفضائي للشركات والحكومات

GMT 17:09 2020 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

التعادل السلبي ينهي مباراة تونس ضد السينغال

GMT 21:29 2020 الأحد ,31 أيار / مايو

عباءات للمحجبات من وحي مها منصور

GMT 04:01 2019 الثلاثاء ,23 إبريل / نيسان

سيدة إماراتية تصحو من غيبوبة استمرت 30 عامًا

GMT 11:07 2019 الخميس ,11 إبريل / نيسان

موجة ضحك في مطار أسترالي بسبب سائح صيني

GMT 16:09 2019 الأربعاء ,23 كانون الثاني / يناير

متاجر في اليابان تتوقف عن بيع المجلات الإباحية

GMT 03:35 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

ترامب يطلب من وزارة الدفاع وضع خطة لمهاجمة إيران

GMT 00:04 2019 الأحد ,06 كانون الثاني / يناير

معسكر لفريق "اتحاد جدة" في الدمام والمحترفين ينتظمون

GMT 21:51 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

الشباب يُعلن تجديد عقد الروماني جامان لمدة موسم واحد

GMT 12:27 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

عادل خزام يكشف عن طريقة توظيفه للمعاني خلال الشعر

GMT 22:47 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أنواع مختلفة من الماء يمكن استخدامها للعناية ببشرة الوجه

GMT 08:43 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

الأمير فيصل بن بندر يشرف حفل سفارة تركمانستان

GMT 18:06 2018 الأربعاء ,01 آب / أغسطس

"فن ترجمة الشعر" محاضرة في فنون أبها
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon