السودان وتحدي توحيد السلاح

السودان وتحدي توحيد السلاح

السودان وتحدي توحيد السلاح

 السعودية اليوم -

السودان وتحدي توحيد السلاح

عثمان ميرغني
بقلم: عثمان ميرغني

من بين دروس الحرب الراهنة في السودان، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: هل يمكن للدولة أن تستعيد عافيتها في ظل تعدد الجيوش؟

هذا السؤال يقود مباشرة إلى سؤال جوهري آخر: كيف نجعل هذه آخر حروب السودان؟

في هذا السياق تأتي أهمية التصريحات الأخيرة للفريق ياسر العطا، عضو مجلس السيادة، مساعد القائد العام للقوات المسلحة، التي أعلن فيها أن المرحلة المقبلة ستشهد دمج جميع القوات المساندة داخل القوات المسلحة والمؤسسات النظامية الأخرى، بما في ذلك قوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة.

وأوضح أن الدمج سيشمل كل القوات المساندة التي قاتلت إلى جانب الجيش في الحرب الراهنة من دون استثناء، وأن آليات عملية الدمج سوف تفعّل قريباً، وستتم وفق المعايير المهنية والضوابط العسكرية المعتمدة، مع توفير برامج للتدريب المهني وإعادة التأهيل المدني لمن لا يرغبون في الاستمرار في العمل العسكري.

وعلى الرغم من أن الفريق ياسر العطا تحدث عن موافقة كل قادة هذه القوات على الدمج، فإن ذلك لا يلغي أن العملية لن تكون سهلة وستواجه تحديات وعراقيل طبيعية أو مفتعلة. فبعض قيادات الحركات قد لا تكون متحمسة لفقدان سلاحها الذي تراه مصدر نفوذها، ما يفتح الباب أمام مقاومة صامتة أو معلنة لعملية الدمج.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لتعدد الجيوش، وأثبتت التجربة أن بناء دولة مستقرة يمر حتماً عبر توحيد السلاح تحت مظلة وطنية واحدة. وسيادة الدولة وشرعيتها لا تكتملان إذا كانت السلطة متنازعة بين جماعات مسلحة متعددة تتحكم في الأرض والسلاح. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ أساسي: احتكار العنف المشروع، ومن دونه تضعف مؤسسات الحكم، وتتراجع هيبة القانون، وتتآكل ثقة المواطنين والمجتمع الدولي.

كما أن تعدد الفصائل المسلحة يغذي الصراعات، ويجعل أي سلام هشاً وقابلاً للانهيار. في المقابل، فإن دمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة يقلل من التشرذم، ويضع حداً لاقتصادات الحرب، ويمنح اتفاقيات السلام فرصة حقيقية للاستمرار.

ولا يقتصر الأمر على الأمن فحسب، بل يمتد إلى بناء جيش مهني حديث. فعملية الدمج يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة التأهيل والتدريب، وفرض معايير موحدة، بما يحوّل المقاتلين من عناصر غير نظامية إلى أفراد محترفين يتمتعون بمسارات وظيفية واضحة ودخل مستقر، بدلاً من الاعتماد على اقتصاد الحرب غير الرسمي.

لكن هذا المسار، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُنفذ بشكل شامل من دون ضوابط. فليس كل المقاتلين مؤهلين للانضمام إلى الجيش، ما يستدعي أن تكون عملية الدمج مشروطة بمعايير صارمة تشمل التدريب، والتدقيق الأمني، والالتزام بحقوق الإنسان. أما غير المستوفين لهذه الشروط، فيجب إدماجهم في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في المجتمع.

ومن التحديات الجوهرية أيضاً ترسبات الشكوك المتراكمة التي عززها تاريخ طويل من المواجهات وخطابات الشحن والتأجيج. ومن دون دعم إجراءات بناء الثقة، قد تتحول عملية الدمج نفسها إلى مصدر توتر وانقسام داخل المؤسسة العسكرية.

إضافة إلى ذلك، فإن التحديات التقنية والعملية لدمج قوات ذات عقائد قتالية وولاءات متباينة، لا يمكن الاستهانة بآثارها المحتملة على تماسك القوات النظامية.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، إذ إن بعض المقاتلين وقادتهم يستفيدون من اقتصاد الحرب، سواء عبر السيطرة على الموارد أو الأنشطة غير الرسمية. الانضمام إلى جيش نظامي قد يعني فقدان هذه الامتيازات، وهو ما يدفع البعض إلى مقاومة التغيير.

عملية دمج القوات هي المرحلة الأهم لعملية حصر السلاح في جيش واحد واحتكار العنف للدولة، لكن هناك خطوات أخرى مطلوبة لبسط سلطة الدولة. فمع الانتشار الواسع للسلاح في أيدي المواطنين أيضاً لا بد من سياسات فعالة لجمع السلاح طوعاً أو بقوة القانون، وربما من خلال برامج لشراء الأسلحة من الناس، بحيث لا يبقى هناك أي سلاح غير مرخص ولا مسجل وفقاً للمعايير والضوابط. فالسودانيون شكوا طويلاً من الانفلات الأمني وتصاعد ظاهرة استخدام السلاح الناري في عمليات السطو. وستكون لجمع السلاح السائب فوائد كبيرة ملموسة على استتباب الأمن، وفرض هيبة الدولة، وإحساس المواطن بالطمأنينة.

ورغم كل هذه التحديات، تبقى الحقيقة الأساسية واضحة: لا يمكن بناء دولة قوية في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. لكن النجاح في بناء جيش وطني موحد لا يعتمد على القرار العسكري وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الصراعات، وقضايا الحكم وتقاسم الموارد والتمثيل.

فالسودان لا يحتاج فقط إلى إنهاء حرب، بل إلى كسر حلقة ممتدة من دوامة الحروب والانقلابات والأزمات السياسية المزمنة، التي كلفته الكثير.

arabstoday

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 21:26 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 21:21 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 21:10 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 21:08 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 21:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 21:02 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان وتحدي توحيد السلاح السودان وتحدي توحيد السلاح



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 18:02 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يفوز على ضيفه شبيبة القبائل الجزائري

GMT 19:54 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

9 فساتين زفاف دخلت التاريخ لجمالها وأناقتها

GMT 08:34 2021 الخميس ,11 شباط / فبراير

الذهب يسجل تراجعًا بفعل تعافي الدولار

GMT 09:57 2020 الخميس ,09 إبريل / نيسان

فيلم قصير يجمع أميتاب باتشان بنجوم بوليوود

GMT 14:30 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

النقّاز يكشف أسباب رحيله عن الزمالك وسبب البقاء في القاهرة

GMT 18:43 2019 الخميس ,18 إبريل / نيسان

عرض أزياء فساتينُ زفاف تيمبرلي لندن لربيع 2020

GMT 09:48 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

الفرج ضمن 5 نجوم أثاروا الإعجاب بفترة التوقف الدولية

GMT 08:05 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

أحمد عز يواصل تصوير الممر في السويس

GMT 09:37 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن السيارة النفاثة Bloodhound SSC بقوة +135 الف حصان
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon