لبنان بين الأنوار والنيران

لبنان بين الأنوار والنيران

لبنان بين الأنوار والنيران

 السعودية اليوم -

لبنان بين الأنوار والنيران

عبد الرحمن شلقم
بقلم - عبد الرحمن شلقم

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1943 نال لبنان استقلاله، ورحل الانتداب الفرنسي عن أرضه، وقامت الدولة اللبنانية المستقلة. الحرب العالمية الثانية، التي احتلت ألمانيا في بداياتها فرنسا، أصابت الإمبراطورية الفرنسية بوهن امتد إلى جميع أطرافها. في تلك السنوات التي اهتزَّ فيها العالم، وتحرك الدم والنار فوق مساحات واسعة من العالم، أشرقت في سماء الشرق الأوسط دولة عربية لها تكوين فريد. الشام الكبرى التي وُلدت من رحمها دول عدة، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، زفَّت إلى الوجود عالماً جديداً، فقد تغيرت الأرض ورُسمت حدود جديدة، وقامت كيانات لها حدود وشعوب وحكومات.

لبنان الكيان الوليد الجديد ضمَّ طوائف متنوعة بديانات ومذاهب وأعراق مختلفة. بلد صغير مساحته 10452 كيلومتراً مربعاً، وعدد سكانه ستة ملايين نسمة. يقع بين دولتين لكل منهما قراءة قلقة ومركبة للكيان اللبناني الصغير. سوريا تراه جزءاً مقتطعاً منها، وأقصى ما يمكن أن يكونه بالنسبة إليها حديقة خلفية لا تشب عن طوقها، وإسرائيل الكيان الذي قام على أرض فلسطين، بعد خمس سنوات من تأسيس الدولة اللبنانية، تراه العدو الدائم العنيد لها، فهو توأم الكيان الفلسطيني أرضاً وشعباً وهوية.

طوائف متعددة بمذاهب دينية إسلامية ومسيحية. الموارد المالية محدودة والهجرة إلى الخارج بدأت منذ سنوات طويلة، لكن الفراسة السياسية والوعي الوطني كانا فوق كل التنوع المذهبي والطائفي. تمَّ الاتفاق على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً من الطائفة المارونية، ورئيس الوزراء مسلماً سنّياً، ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً. الحرب التي اشتعلت في الشقيقة الجارة فلسطين، بعد إعلان القادمين اليهود قيام دولتهم عام 1948 فيها دفعت لبنان الوليد إلى الاصطفاف مع أشقائه العرب؛ لمواجهة قوات العصابات الصهيونية. بعد الهزيمة العربية تدفق اللاجئون الفلسطينيون نحو لبنان، حيث أقاموا واندمجوا في المجتمع اللبناني. عواصف أخرى هبَّت على المنطقة، انقلاب عسكري في سوريا، تلاه آخر في مصر وفي العراق. عام 1958 قامت الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وهاجت حماسة عنيفة في لبنان، وشبَّ خلاف مسلح بين الحكومة والمعارضين لها. اُتُهم الرئيس كميل شمعون بموالاة الغرب، وأنزلت الولايات المتحدة الأميركية قوة من مشاة البحرية في لبنان في عملية «الخفاش الأزرق»، لدعم كميل شمعون. عبَأ الوعي الوطني اللبناني من كل الطوائف ولاءه لهويته الوطنية، وجرى انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، ورشيد كرامي رئيساً للحكومة. كانت الأزمات السياسية والعنف المسلح الرفيق المبكر للكيان الوليد، لكن الانتماء الوطني الصادق كان الغراء المقدس، والجامع الأقوى لكل الطوائف.

البلد المحدود المساحة والسكان، كان المنجم الكبير يختزن ثروة، لا وجود لها على امتداد مستطيل المنطقة. الحرية كانت القوة الضاربة التي جعلت من التكوين اللبناني دولة صلبة أسست لديمقراطية موصوفة، تحقق التعايش السلمي على أرض الوطن. الصحافة الحرة والسياسة العقلانية الواقعية المتوازنة في إقليم يموج بهزات لا تتوقف. الحرية الفكرية والإبداع الأدبي والفني كانت الشمس التي جعلت من لبنان منارة للنور والتنوير. كتَّاب ومفكرون وشعراء ومطربون أهداهم لبنان لشعبه بقوة الحرية، وعبرت أنوارهم الحدود لتضيء في كل البلاد العربية. صارت بيروت حلبة الحرية التي تجمع النخب العربية من المحيط إلى الخليج. من مطابعها ودور نشرها تتدفق الكتب التي لا تجد لها باباً في أوطانها. عقول العرب وقلوبهم بما فيها من اجتهاد وإبداع وشجن، احتضنها المنجم اللبناني الفريد.

في ستينات القرن الماضي دخل مشرق الإقليم العربي في متاهات استدار فيها غبار العراك، وارتفع هيجان الشعارات. تحولت بيروت معرضاً يزدحم بباعة الأصوات والسطور. جرائد ومجلات وكتب تمدح وأخرى تقدح. ما أُطلق عليه المد القومي العربي رفع مآذنه العالية المختلفة على أرض لبنان. بعد خروج الفلسطينيين من الأردن عام 1970 اندفعوا إلى لبنان. صوت السلاح بدأ يعلو على لغة التفاهم والتعايش والحرية في لبنان. السجادة التي زخرفها عقل لبنان الفريد داهمتها الثقوب وبقع الدم، وقادت إلى حقبة صدام أهلي، تؤججه نعرات داخلية، وتذكيه رياح خارجية بالمال والسلاح. القضية الفلسطينية حطت رحالها الثقيلة، على كاهل البلد المنجم الفريد. الحطب الإسرائيلي تكدس على النيران الأهلية، وانحسرت الأنوار ووهنت العقول. قُتل كبار الساسة من كل ألوان خيوط الوطن، وساد الخراب المدن والسهول والجبال الخضراء. بُحَّت أصوات الغناء الساحر، وارتعشت الأقلام، ورقصت المدافع بعدما وهنت أقدام الدبكة.

لبنان يعيش اليوم تحت ضربات العدو الإسرائيلي. المئات يُقتلون وآلاف الجرحى ينزفون، وقوافل اللاجئين والنازحين تمتد. الدمار يأتي على العمران الذي شيَّدته أيدي البناة المبدعين. لكن الفنار العالي لا ينطفئ نوره، وسيبقى وهَّاجاً في العقول والقلوب. لبنان طائر الفينيق الفينيقي، يبقى جمرة الوجود الحية، التي لا يطمسها الرماد. سينهض رغم عاديات الزمن وينشر أضواء الحياة والحرية والإبداع والفرح. دماء لبنان وآهاته تنبت أرز الوجود على جباله الزاهية.

arabstoday

GMT 13:01 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

دراما من أجل الوعي.. شكرًا لـ«المتحدة»

GMT 12:57 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

سعد والعوضي وإمام.. من هو «نمبر وان»؟

GMT 02:38 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

العودة إلى لبنان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان بين الأنوار والنيران لبنان بين الأنوار والنيران



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 19:21 2013 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

هاني شاكر ينفي طرده من أحد الأندية لتعاطي المخدِّرات

GMT 08:54 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 07:45 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

حالة الطقس المتوقعة ليوم الأحد في بغداد

GMT 12:57 2013 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

جيزال خوري تنضم إلى فريق عمل "بي بي سي" العربيّة

GMT 11:33 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يحصد المركز الخامس في مونديال الأندية

GMT 01:51 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

حكيم يعرب عن سعادته بنجاح حفلته في برشلونة

GMT 20:59 2017 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

"ربحنا بكري"

GMT 17:37 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

شاومي تطلق 3 هواتف لعائلة Redmi بإمكانات جبارة

GMT 15:45 2020 الخميس ,16 إبريل / نيسان

سفن محملة بالقمح في طريقها إلى مصر

GMT 22:04 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

جنود الجيش الروسي يتزودون بساعات ذكية

GMT 11:46 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

"هواوي" تكشف عن إطلاق نسخة مطورة من "مات إكس" المطوي في 2020

GMT 13:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يسطع نجمك في هذا الاسبوع الدسم بحظوظه

GMT 13:46 2019 الأربعاء ,14 آب / أغسطس

"طيران الجزيرة" تواصل توسيع شبكة وجهاتها

GMT 06:44 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

تألقي بأجمل فساتين زفاف موضة ربيع 2020

GMT 15:20 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

تسمم 25 شخصًا بسبب وجبة فاسدة في الغربية

GMT 07:39 2019 الخميس ,28 آذار/ مارس

مجموعة مجوهرات L’esprit Du Lion من Chanel

GMT 06:55 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

بريطانية تخضع للعلاج 8 شهور بسبب "غباء مُصفف"

GMT 23:09 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الأردن ترفع تمثيله الدبلوماسي لدى سورية

GMT 17:23 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

آل سويلم يبدي استياءه من أرضية ملعب الملك فهد الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon