حروب المياه الخانقة

حروب المياه الخانقة

حروب المياه الخانقة

 السعودية اليوم -

حروب المياه الخانقة

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

قالتِ العربُ قديماً «أعظم النار من مستصغر الشَّرر». من حربَيْ داحسَ والغبراءِ والبسوس إلى الاحتلالِ الفرنسي للجزائر والحربين العالميتين الأولى والثانية. أغلبُ الحروبِ الكبيرة كانت قدَّاحاتُها ذرائعَ صغيرة، ووقودُها أطماعاً ومصالحَ وعداواتٍ غائرة.

في معركة «سلاميس» سنة 480 قبل الميلاد، هزم الأسطولُ اليوناني الفرسَ وسيطرَ على البحر. مضيقا البسفور والدردنيل كانا هدفينِ دائمين للإمبراطوريات، وبعد فتح القسطنطينية سيطر العثمانيونَ على المضايق، وتمكَّنوا من التَّحكم في الحركة بين البحر المتوسط والبحر الأسود. الحروب التي اشتعلت بين روسيا والدولة العثمانية كان محركها السيطرة على المضايق، وكذلك الحرب بين بريطانيا وفرنسا من جانب، وروسيا من الجانب الآخر، في الحرب التي عُرفت بحرب القرم، كان محركها منع روسيا من التحكم في المضايق. في الحرب العالمية الأولى، قام الحلفاء بحملة عسكرية كبيرة للسيطرة على مضيق الدردنيل، وانتزاعه من السيادة العثمانية. فشلت الحملة وقُتل فيها الآلاف من الجنود البريطانيين والفرنسيين.

الحربُ العالمية الثانية التي روعت الدنيا وقُتل فيها الملايين من البشر، وهُدم فيها ما بناه الإنسان عبر عقود طويلة، فجَّرها نتوءٌ بحريٌّ صغير هو خليج غدانسك البولندي. الزَّعيم النَّازي أدولف هتلر وضعَ قاعدة قومية مقدسة، وهي أينما وُجدت أرضٌ بها شعب يتحدَّث اللغةَ الألمانية فهي جزء من كيان الدولة الألمانية. في خليج غدانسك الواقع بين الحدود الألمانية والبولندية، تعيش أقلية ألمانية فحرك هتلر قوته لاحتلال الخليج. حاولت كل من فرنسا وبريطانيا كبح الفوهرر الألماني، لكنَّه دفع جيشه الجرار لاحتلال ما جزم أنه أرض ألمانية. هذا الخليج الصغير كان مستصغر الشرر، الذي أشعل نيران السياسة والحرب، ودفع العالم إلى جحيم أحرق البشر ودمر الحجر. قبلت فرنسا وبريطانيا بضم هتلر لتشيكوسلوفاكيا في اتفاقية ميونخ، وضم النمسا في استفتاء شعبي جرى تحت سطوة الجيش النازي الألماني. فكيف تقبل هاتان الدولتان الأوروبيتان أن تلتهم ألمانيا النازية هذه المساحة الكبيرة من أوروبا، وتعلن الحرب على ألمانيا النازية بعدما قامت باحتلال خليج غدانسك البولندي الصغير؟

المضايق والخلجان لا تحسب أهميتها بالمساحة، بل بأهميتها الاستراتيجية للدول. كان ذلك الخليج مستصغر الشرر، الذي أشعل الحريق العالمي. ماء آخر في أقصى القارة الآسيوية غيَّر مسار الحرب العالمية الثانية. بعد احتلال ألمانيا النازية لفرنسا، وأُمطرت بريطانيا بقنابل مدمرة، خاطب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل شعبه وقال له، ليس لكم عندي إلا الدم والعرق والدموع. عاش تشرشل في قبضة الإحباط والقلق، لكنه لم ييأس أو ينكسر.

قوة المحور التي ضمَّت ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، وإمبراطورية اليابان التي يهيمن عليها عسكريون متطرفون، تواجهها بريطانيا منفردة. تشرشل السياسي الخبير الداهية قضى وقتاً طويلاً مشتبكاً مع عقله الاستراتيجي، أيقن أن الولايات المتحدة الأميركية هي طوق النجاة القدري الأوحد، القادر على إنقاذ بلاده والعالم من جنون هتلر الرهيب. حاول كثيراً أن يقنع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بأن ينضم إلى جانبه في الحرب، لكن الكونغرس لم يتحمس لذلك، وكذلك الرأي العام الأميركي.

في 7 ديسمبر (كانون الأول) عام 1941 شنَّ الجيش الياباني هجوماً جوياً على قاعدة بحرية أميركية في ميناء بيرل الأميركي. دمر عدداً من السفن وقتل أكثر من ألفي جندي ومدني أميركي. ألقت أميركا بكل قوتها العسكرية الجبارة ضد قوات المحور، وأدى ذلك إلى تغيير مسار الحرب العالمية الثانية.

عام 1956 قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس المصرية، فشنت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا حرباً ثلاثية على مصر، لأنَّ كلاً من فرنسا وبريطانيا آنذاك كانتا إمبراطوريتين تملكان مساحات واسعة من الأرض الآسيوية والأفريقية، وقناة السويس هي الحبل المائي السري، الذي يربط باريس ولندن بما يملكان من أرض وبشر وراء الحدود. قناة السويس هذا الممر المائي الصناعي الذي يبلغ طوله 120 ميلاً فقط رسم خريطة عالم جديد. انتفض العملاقان الدوليان الكبيران، الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وأرغما الجيوش المعتدية على مصر بالانسحاب. مياه مجرى السويس الصغير جرفت قروناً سطعت فيها شمس فرنسا وبريطانيا على أكبر مساحة فوق سطح الكرة الأرضية، وفُتح الباب لقوتين تمدان وجودهما على عصر عالمي جديد. الجغرافيا لها شرايين ومفاصل وحواس. مصر ساهمت الجغرافيا في تشكيل شخصيتها. بعد حرب تأميم قناة السويس، ممر مائي مصري طبيعي آخر يوقد نار حرب إقليمية طاحنة. مضيق تيران ممر مائي يربط بين خليج العقبة والبحر الأحمر. في شهر مايو (أيار) عام 1967 قرر الرئيس جمال عبد الناصر إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية. إسرائيل اعتبرت قرار عبد الناصر إعلان حرب عليها، لأن ميناء إيلات الإسرائيلي يعتمد على هذا الممر للوصول إلى آسيا وأفريقيا. في الخامس من يونيو (حزيران) عام 1967 شنت إسرائيل حرباً على مصر، تكبدت فيها مصر، ومعها الأردن وسوريا، هزيمة قاسية وخسرت فيها مساحات كبيرة من أراضيها. هذا المضيق الصغير تيران أعاد رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط، وفتح أبواباً لعصر جديد، ما زلنا نعيش حرارة نيرانه.

هذا العام هو زمن نار كبير أشعلتها حربٌ خاضتها أميركا وإسرائيل ضد إيران. مضيق آخر هيمن اسمُه على سمع الدنيا ونظرها، مضيق هرمز الذي دخل بيوتَ الناس وجيوبهم. تعطَّلتِ الإمداداتُ النفطيةُ واهتزَّتِ البورصاتُ وارتبكَ الاقتصادُ العالمي. لا ندري متى تتَّسع المضايقُ، ويتراجع الضيقُ العالمي ويزدهرُ العقل.

 

arabstoday

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 21:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 21:14 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 21:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 21:10 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 18:13 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

GMT 18:10 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

GMT 18:08 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حروب المياه الخانقة حروب المياه الخانقة



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 19:21 2013 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

هاني شاكر ينفي طرده من أحد الأندية لتعاطي المخدِّرات

GMT 08:54 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 07:45 2018 الأحد ,15 إبريل / نيسان

حالة الطقس المتوقعة ليوم الأحد في بغداد

GMT 12:57 2013 الثلاثاء ,10 كانون الأول / ديسمبر

جيزال خوري تنضم إلى فريق عمل "بي بي سي" العربيّة

GMT 11:33 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يحصد المركز الخامس في مونديال الأندية

GMT 01:51 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

حكيم يعرب عن سعادته بنجاح حفلته في برشلونة

GMT 20:59 2017 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

"ربحنا بكري"

GMT 17:37 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

شاومي تطلق 3 هواتف لعائلة Redmi بإمكانات جبارة

GMT 15:45 2020 الخميس ,16 إبريل / نيسان

سفن محملة بالقمح في طريقها إلى مصر

GMT 22:04 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

جنود الجيش الروسي يتزودون بساعات ذكية

GMT 11:46 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

"هواوي" تكشف عن إطلاق نسخة مطورة من "مات إكس" المطوي في 2020

GMT 13:35 2019 الجمعة ,13 أيلول / سبتمبر

يسطع نجمك في هذا الاسبوع الدسم بحظوظه

GMT 13:46 2019 الأربعاء ,14 آب / أغسطس

"طيران الجزيرة" تواصل توسيع شبكة وجهاتها

GMT 06:44 2019 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

تألقي بأجمل فساتين زفاف موضة ربيع 2020

GMT 15:20 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

تسمم 25 شخصًا بسبب وجبة فاسدة في الغربية

GMT 07:39 2019 الخميس ,28 آذار/ مارس

مجموعة مجوهرات L’esprit Du Lion من Chanel

GMT 06:55 2019 الإثنين ,25 شباط / فبراير

بريطانية تخضع للعلاج 8 شهور بسبب "غباء مُصفف"

GMT 23:09 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الأردن ترفع تمثيله الدبلوماسي لدى سورية

GMT 17:23 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

آل سويلم يبدي استياءه من أرضية ملعب الملك فهد الدولي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon