مالي لسان اللهب الأفريقي

مالي... لسان اللهب الأفريقي

مالي... لسان اللهب الأفريقي

 السعودية اليوم -

مالي لسان اللهب الأفريقي

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

بعد حصول مالي على استقلالها من فرنسا عام 1960، تفكك اتحاد مالي الذي كان يضم مالي والسنغال، وتولى رئاسة مالي المستقلة موديبو كيتا. استلم أول رئيس للدولة مساحةً واسعةً من الأرض، ترتفع فيها ألسنة لهب نار لم تنطفئ إلى اليوم. أعراق متناحرة، وامتدادات قبلية عابرة للحدود، ونزعات انفصالية مسلحة. شمال البلاد الذي يمثل ثلثي مساحة مالي، أغلبية سكانه من الطوارق ومجموعات عربية، رفضت حكم الجنوب الذي تغلب عليه مجموعة قبائل البامبارا، ورفع طوارق الأزواد، ومعهم المكون العربي، شعار «لن نقبل أن يحكمنا الزنوج»، وبدأوا بحمل السلاح ضد حكومة باماكو، هدفهم الاستقلال عن الدولة المستقلة. الرئيس موديبو كيتا انتهج سياسة مرنة مع الثائرين، لكنه لم يستبعد استعمال السلاح لكبح اندفاع الرافضين لتبعيتهم لدولته الجديدة. بعد مرور سنوات قليلة لوحت قبائل الأزواد بخيار الحكم الذاتي، لكن الحكومة المركزية لم تقبل بذلك، مما زاد من رفض أهل الشمال لحكم مجموعة باماكو، بسبب الغياب الكامل للتنمية والخدمات في إقليمهم البعيد عن العاصمة.

في عام 1968 قاد الملازم موسى تراوري انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس موديبو كيتا، وحكم البلاد حتى عام 1991. لم تتوقف سلسلة الانقلابات العسكرية التي كان آخرها الانقلاب العسكري عام 2021 الذي قاده العقيد أسيمي غويتا، وهو الانقلاب العسكري الخامس في دولة مالي.

في السنوات الأخيرة شهدت عدد من دول الساحل والصحراء انقلابات عسكرية في بوركينا فاسو والنيجر ومالي، وتحركت زلازل سياسية وأمنية هزَّت هذه الدول. العلاقة التاريخية مع فرنسا التي كانت تستعمر المنطقة لسنوات طويلة، وحافظت على وجودها السياسي والعسكري فيها، ضربتها قطيعة شبه كاملة، بعدما قدمت فرنسا دعماً عسكرياً قوياً لحكوماتها في مواجهة حركات التطرف الإسلامي. بعد رحيل فرنسا السياسي والمالي والعسكري، فتحت الدول الثلاث أبوابها للحضور الروسي العسكري، وتولى الفيلق الروسي - الأفريقي قيادة المعارك التي تخوضها حكومة مالي ضد حركات «داعش»، و«نصرة الإسلام والمسلمين»، و«القاعدة». في الأسابيع الماضية شنت هذه الحركات، متحالفة مع ثوار أزواد، هجوماً كاسحاً على العاصمة باماكو، وقُتل وزير الدفاع، وأحرقت الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية والوقود. تصعيد غير مسبوق في الهجوم الأخير للحركات المتطرفة، على العاصمة وعدد من المدن والبلدات، فقد استخدمت الحركات المتمردة المسيّرات والدروع، وقامت بعمليات نهب واسعة للممتلكات العامة والخاصة. اتسعت معاناة الناس، وساد الرعب، وعمت الفوضى.

منطقة الساحل والصحراء الفقيرة أُصيبت مبكراً بوباء الانقلابات العسكرية، وانتكست فيها محاولات الانتقال إلى الحياة السياسية الديمقراطية المدنية. الحركات الإسلامية المتطرفة وجدت فيها الحقول المهيأة لزرع بذورها. التنوع العرقي والقبلي العابر للحدود. في شمال مالي حيث يشكل هذا الإقليم ثلثي مساحة البلاد، تسكنه أغلبية من الطوارق ومعهم أقلية من العرب، تحركت مجموعة الأزواد مبكراً بعد الاستقلال، تطالب باستقلالها عن الدولة المستقلة، وبعد معارك استمرت طويلاً، شهدت حركة الأزواد انقسامات بين أجنحتها، وبدأ بعضها يطرح خيار الاستقلال الذاتي. منطقة الأزواد الشمالية الصحراوية، قليلة الأمطار وغالبية سكانها رحل يمتهنون الرعي، وقد وجدوا في التطورات والسياسات التي شهدتها بعض دول الجوار دعماً لحركتهم.

بعد سنوات العشرية السوداء في الجزائر، التحق جزائريون بحركات التطرف الإسلامي في مالي. دعمت ليبيا في زمن القذافي حركة أزواد عسكرياً ومالياً، وتولى قيادتها إياد غالي، وهو من طوارق مالي، وقد كان جندياً في الجيش الليبي وشارك في حروب ليبيا في تشاد، لكنه اندفع إلى التطرف الإسلامي، وشارك في عدد من العمليات التي وصفت بالإرهابية. لاحقته حكومة الولايات المتحدة الأميركية، وعرضت مكافأة مالية من أجل القبض عليه، وصدرت عليه أحكام من محكمة الجنايات الدولية.

مالي ارتفعت فيها نار العنف المتحرك، من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر. القوة الإسلامية المسلحة المتطرفة تحالفت مع قوات أزواد الطارقية الشمالية الانفصالية. الفيلق الروسي - الأفريقي (الفاغنر) الذي تمركز في شمال مالي، وواجه قوات أزواد، تلقى ضربة عنيفة كلفته مئات القتلى وانسحب منكسراً. حركة «نصرة الإسلام والمسلمين»، بعد هجومها على باماكو، عرضت الدخول في عملية مصالحة مع الحكومة المالية، لكن الرئيس غويتا رفض عرضها، وأصرَّ على خيار المواجهة والقتال ضدها. الرئيس المالي يراهن على الانقسامات، التي تتسع في الحركات المتطرفة المسلحة. التحالف الذي جرى مؤخراً بين حركة الأزواد وحركة «نصرة الإسلام والمسلمين» تمَّ بعدما تخلت الحركة عن خطابها الإسلامي الأممي، وركزت على المحلي، لكن ذلك أشعل خلافاً بين أجنحة الحركة.

منطقة الساحل والصحراء تعج اليوم بحركات متعددة الآيديولوجيات الإسلامية المتطرفة، ويزداد فيها التدخل الخارجي، مما يحفز بعض المجموعات المسلحة على الانفصال. وجود الفيلق الأفريقي - الروسي دفع أوكرانيا لتقديم مساعدات عسكرية كبيرة إلى طوارق الأزواد في الشمال، وتمكنوا بفضلها من إلحاق هزيمة بـ«الفاغنر» الروسي، الذي انسحب من كيدال. الحلول السياسية السلمية لا تكاد تجد لها مسارب تقود إلى السلام، وتكريس حوكمة رشيدة تحقق العدالة والتنمية. الأطماع الخارجية التي تحركها ثروات أفريقيا، وهشاشة نسيجها الاجتماعي، تنذر باتساع اللهب الذي يرتفع في مستطيل الساحل والصحراء.

 

arabstoday

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 21:26 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 21:21 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 21:10 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 21:08 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 21:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 21:02 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مالي لسان اللهب الأفريقي مالي لسان اللهب الأفريقي



GMT 07:08 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر بطيء الوتيرة وربما مخيب للأمل

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 16:43 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:06 2018 الأربعاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أحمد موسى يواصل التغزل بفريق النصر السعودي

GMT 07:58 2018 الأربعاء ,04 إبريل / نيسان

العثور على ثور مجنح عمره 2000سنة في الموصل

GMT 04:04 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

اتهام للجماعة الحوثية في الحديدة بتحويل المساجد إلى معتقلات

GMT 21:41 2017 الخميس ,14 كانون الأول / ديسمبر

الاتحاد الكويتي لكرة القدم يكشف عن شعار بطولة "خليجي 23"

GMT 09:36 2017 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

إدنبره مدينة السحر والجمال والتاريخ في إسكنلدا

GMT 08:29 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

اهتمامات الصحف السودانية اليوم الاحد

GMT 04:32 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

غرف معيشة مودرن تزينها تصاميم إنارة باللون الأسود الجذاب

GMT 01:18 2019 الإثنين ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

طيار يموت بشكل مفاجئ أثناء هبوطه الاضطراري بالطائرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon