وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر

وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر

وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر

 السعودية اليوم -

وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

اليوم الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام، كانَ إضافةً إلى لون الدهر المصري، بل الإنساني. مصرُ شدَّتِ الخلقَ يوماً كاملاً. حضر قادةٌ من مختلف أنحاء العالم إلى القاهرة، ليشهدوا حدثاً إنسانياً كبيراً. وخصصت وسائلُ الإعلام العالمية المختلفة، مساحات كبيرة لتغطية حفل افتتاح المتحف المصري الكبير بالقاهرة. هناك تجلَّى الزمن مجسداً في ساحة بهية، تزفُّ يومها إلى هامات الأهرامات، الشاهدات على دهر في صيرورته الممتدة. 57 ألف قطعة أثرية تعددت أحجامها وأعمارها، جمعتها مساحة المتحف المصري التي تقدر بمائة ألف متر مربع. التكلفة المالية لبناء المتحف الكبير بلغت ملياري دولار. كيان تاريخي إنساني يُضاف إلى الأهرامات الثلاثة وأبو سمبل والكرنك. عجائب تلتقي في عجيب. واجهة المتحف تتكون من سبعة أهرامات. الملك رمسيس الثاني يستقبل الزائرين بقامته العالية الباذخة، كل ما فيه ينطق في صمت، تلفه زخرفة مسكونة بجمال القوة التي لا تطولها أظافر الدهر. تمثال الملك العملاق الذي يبلغ ارتفاعه أحد عشر متراً ووزنه 85 طناً. تتعامد عليه الشمس مرتين سنوياً، الأولى يوم ميلاده والأخرى يوم توليه الحكم. رافقته الأساطير زمن حكمه، ولم تغب عنه المفاجآت وهو مجسد في تمثاله الحجري الضخم. من اكتشاف تمثاله إلى نقله إلى القاهرة، ورفعه بميدان باب الحديد، الذي اُعطي اسمه، إلى حين نُقل في موكب مهيب إلى مشروع المتحف الكبير بعملية حسابية هندسية دقيقة؛ حفاظاً عليه من التصدع لضخامته. عاشت القاهرة مع القامة الأسطورية الضخمة في تنقلاتها. العجائب لا تفارق الملك رمسيس الثاني. نُقلت مومياؤه إلى فرنسا للعلاج، ومعه جواز سفره، حيث اُستقبل استقبال الملوك. في افتتاح المتحف الكبير وقف بهامته الصخرية العالية في مقدمة استقبال زائري المتحف الكبير بمن فيهم من الملوك والرؤساء والوزراء وخلفه ابنه ريمن بتاح. لم يغب سرابيس المعبود اليوناني عن المتحف.

توت غنخ آمون الأيقونة الأسطورية الأخرى للدهر الفرعوني المصري المذهل كانت له قاعة كبيرة مساحتها 7500 متر في المتحف المصري الكبير. عُرضت فيها كل مقتنياته التي ضمَّت 5000 قطعة تقريباً، وهي تُعرَض كاملة للمرة الأولى، بما فيها الأواني والتوابيت والنعال والعجلة الحربية وقناعه الآسر للقلوب والعقول. الأسطورة المجسدة لصيرورة سلطة حكمت بقوة ذهبية قارعت عاديات الزمن الطويل. شغل توت عنخ آمون الدارسين لعلم المصريات ردحاً من الزمن دون توقف، وكلما اقتربوا من تفكيك سر ما ركب أو لبس، تداعت أسئلة عن التقنية السحرية لفن الرسم العجيب الذي هندس الوجه الذهبي للفرعون الذي قارع القرون. الخطوط المستطيلة والمستديرة، حيث صارت الألوان الصفراء والزرقاء والبيضاء معزوفة وجود تحتفي بالأسرار المركبة للقوة والهيبة والجمال. هل امتلك الفراعنة سر كيمياء الخلود، بكل ما فيها من تقنيات تقارع ضربات الفناء، على الأقل التصويري والتجسيدي؟ حول آمون تحلق وتمدد الذهب الذي كان يحيا حوله وبه. كراسي العرش والعجلات المذهبة، وتابوت وزنه 110 كيلوغرامات من الذهب، وقناع موميائه يزن 10 كيلوغرامات من الذهب، وكل أحذيته الكثيرة مذهبة. هناك من قدَّر ما في مقبرة توت عنخ آمون من الذهب بربع طن. المسلات المصرية التي توزعت في مصر واعتلت وسط مدن كثيرة في العالم، عبَّرت عن حضور الحضارة الفرعونية في دنيا العالم.

شهد العالم قديماً حضارات سادت ثم بادت وزالت. التهمتها السنون وكسرها صراع البشر، لكن الحضارة المصرية العملاقة، التي حملت في صلابة صخورها وعظمة أسرار ذهبها، وأساطير ملوكها، أبدعت مساراتها السحرية للخلود.

في يومنا هذا يعيش العالم تقنيات تتجدد وتتوالد كل ساعة. طائرات وأقمار فضائية، ووسائل اتصالات لها في كل يوم جيل جديد، وتقنية الذكاء الاصطناعي التي تعيد الميتين إلى الشاشات، وتجعل من الأكاذيب حقائق تتلاعب بالعقول. كل ذلك لم يستطع ليّ أعناق ما أبدعه راحلون منذ آلاف السنين على ضفاف نهر مصر وامتداد صحرائها. في المتحف المصري الكبير، نطق ما كان وإن صمت. الصخر يقول والذهب يعبر والسلطة لها جمالها الذي يحدو قوتها. المتحف المصري الكبير مساحة النواقيس الإنسانية الرائعة. تقول للمليارات من البشر الذين يعيشون اليوم فوق الكرة الأرضية، لقد كان فوق هذه الكرة بشر عاشوا وطوَّعوا الحجر، وزخرفوا حياتهم بزينة الذهب، وهاموا في حلم الخلود. رحلوا بقوة الزمن، وبقوا بقوة ما صنعوا.

مصر في اليوم الأول من شهر نوفمبر نظر إليها الخلق مجسَّدة في متحفها الكبير، وكما قال شاعرها حافظ إبراهيم:

وقف الخلقُ ينظرون جميعاً

كيف أبني قواعد المجد وحدي

وبناةُ الأهرام في سالف الدهرِ

كفوني الكلام عند التحدي

إن مجدي في الأوليات عريقُ

من له مثلُ أولياتي ومجدي

وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

فابنوا على أسس الزمان وروحه

ركنَ الحضارة باذخاً وسديداً

وقف الخلق مباشرة في المتحف الكبير، أمام الدهر المصري التليد، وهفا البعيد عبر وسائل الإعلام إلى الدهر، الذي قالته مصر إلى الخلق الذين نظروا إليها.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر وقف الخلقُ ينظرون جميعاً إلى مصر



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 01:34 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل
 السعودية اليوم - إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon