سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط

سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط

سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط

 السعودية اليوم -

سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط

محمد الرميحى
بقلم : محمد الرميحي

كثر الحديث بشأن الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية "قسد"، وقيل الكثير في حق الرجلين، أحمد الشرع ومظلوم عبدي، من إشادة أظن أنهما يستحقانها.

وبصرف النظر عن الظروف التي أحاطت بالاتفاق، والتي ربما ساعدت على التوصل إليه، فإن النتيجة التي تعنيني، هي أن الاتفاق تم، وأن عقبة بدت لمدة طويلة عصيةً على الحل، جرى تجاوزها بالعقل والتفاوض.


لكن أهمية ما حدث في سوريا، تتجاوز المسألة السورية نفسها. فقد كسر الاتفاق حلقة عانت منها مجتمعات عربية كثيرة، ودفع بعضها ثمناً باهظاً من استقراره، وهي العجز عن الاعتراف بالتعددية داخل الوطن الواحد.

غالبية المجتمعات العربية، ليست كتلة بشرية واحدة، كما صورها لنا بعض الشعارات. فيها تعدد عرقي، ومذهبي، وديني، ومناطقي، وثقافي. تلك حقيقة اجتماعية وتاريخية لا يصنعها قرار سياسي، ولا يستطيع قرار سياسي إلغاؤها.

المشكلة أن سلطات عربية في العقود الماضية تصرفت كأن الاعتراف بهذه الحقيقة خطر على الدولة، فحاولت إخفاءها، أو دمج مكوناتها قسراً في هوية واحدة. كان الاعتقاد أن الدولة تصبح أقوى كلما أصبح مواطنوها أكثر تشابهاً. إنكار الاختلاف لم يلغه، وإنما دفعه إلى تحت السطح، ثم عاد في ظروف الأزمات أكثر حدة وأشد خطراً على الوطن .

العراق يقدم لنا مثالاً. في زمن البعث طغت فكرة العروبة على الهوية، بينما كان جزء أصيل من سكانه من الأكراد، لهم لغتهم وثقافتهم وشعورهم بهويتهم. وعندما لم يجد ذلك المكون مكانه الطبيعي داخل الدولة، أصبح الباب مفتوحاً أمام الخارج.

استغل شاه إيران القضية الكردية في صراعه مع بغداد، واستخدمها ورقة ضغط، ثم جرى التخلي عنها عندما تغيرت المصالح. لم تكن المشكلة في وجود الأكراد، وإنما في عجز الدولة عن بناء صيغة تجعل الكردي يشعر أن الدولة دولته، كما هي دولة العربي. ومن هناك توالت الأزمات والحروب والمواجهات، ودفع العراق كله ثمناً فادحاً. تاريخ

لبنان يقدم نموذجاً آخر. شعرت فئة من الشيعة، منذ عقود، بأنها مهمشة ومحرومة من نصيب عادل في الدولة والتنمية. ظهرت حركة الإمام موسى الصدر تعبيراً عن ذلك الشعور، ثم تطورت الظروف الداخلية والإقليمية، ومع الثورة الإيرانية وجد جزء من ذلك المكون سنداً خارج الحدود. انتهى الأمر، بعد سنوات، إلى ارتباط سياسي وعسكري بإيران تجاوز في مراحل كثيرة حسابات المصلحة اللبنانية نفسها.

وفي السودان كان الفشل في إدارة التنوع أكثر وضوحاً وقسوة. بلد واسع متعدد العرق والدين والثقافة، حاولت سلطاته المتعاقبة إدارته من مركز واحد وبمفهوم ضيق للهوية. النتيجة كانت حروباً طويلة، ثم انفصال الجنوب، ولم يتوقف النزيف بعد الانفصال، لأن المشكلة الأصلية لم تعالج.

هذه التجارب تقول لنا شيئاً بسيطاً، لكنه تأخر كثيراً في العقل السياسي العربي: التعددية ليست هي التي تهدم الأوطان، إنكارها هو الذي يفعل ذلك.

ومن هنا أرى أهمية ما حدث في سوريا. الاتفاق بين الدولة والمكون الكردي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد ترتيب أمني، أو استجابة لضغط دولي موقت. الأهم أنه يفتح الباب أمام مفهوم مختلف للدولة السورية: دولة لا تطلب من مواطنها أن يتخلى عن خصوصيته حتى تثق به.

وإذا ساد العقل نفسه، فإن المسألة لا تتوقف عند الأكراد. في البر الشامي مكونات دينية ومذهبية وعرقية مختلفة، ولا يمكن بناء الاستقرار الدائم بإخافة هذه المكونات أو مطالبتها بالذوبان. المطلوب أن تشعر جميعها بأن الدولة مظلتها، وأن القانون الناتج من أكبر توافق وطني يحميها، وأن المواطنة هي الرابط الذي يجمعها بالآخرين.

لدينا في منطقتنا درس تكرر حتى أصبح من الصعب تجاهله. عندما تغلق الدولة بابها أمام مكوّن من مكوناتها، يبحث ذلك المكوّن، عاجلاً أو آجلاً، عن باب آخر. وهنا يأتي الخارج حاملاً المال أو السلاح أو الحماية، ولكن ليس حباً بذلك المكوّن، وإنما خدمة لمصالحه هو.

الاعتراف بالتعددية، لذلك، ليس منّة من الأكثرية على الأقلية، ولا ضعفاً من الدولة، ولا تنازلاً عن هويتها. هو في جوهره حماية للدولة الوطنية من شرّين عرفناهما جيداً: شرّ الحرب الأهلية، وشرّ التدخل الخارجي.

لكن الحكمة هنا لا تُطلب من الدولة وحدها، وإن كانت مسؤوليتها هي الأساس. الطرف الآخر في المعادلة، أي المكوّنات الأخرى، يحتاج هو أيضاً إلى نخب تدرك حدود الممكن، وتعرف الفرق بين المطالبة بحقوق مشروعة وبين تحويل الخصوصية إلى مشروع انفصال، أو إلى جسر تعبر منه قوة خارجية. التجارب من حولنا تقول إن الخارج قد يعد بالحماية، لكنه لا يقدمها مجاناً، وقد يستخدم مظلومية جماعة سنوات، ثم يتخلى عنها عند أول تبدل في المصالح.

هنا تحديداً تظهر أهمية النخبة العاقلة داخل أي مكون. أن تقنع جمهورها بأن التوافق الوطني، مهما احتاج إلى جهد، أقل تكلفة بكثير من التعنت، وأقل خطراً من الارتماء في مشروع خارجي. فالدولة مطالبة بأن تتسع للجميع، والمكونات مطالبة في المقابل بأن ترى مستقبلها داخل الدولة لا خارجها. تلك معادلة لا ينجح طرف واحد في فرضها.

لهذا قد يصبح الاتفاق السوري- الكردي أكبر من اتفاق بين طرفين؛ إذا نجح وتحوّل إلى ثقافة حكم، فقد يكون بداية خروج من تجربة عربية طويلة حاولت صنع الوحدة بالقسر، فحصدت الانقسام. الأوطان تنجو فقط عندما تتسع الدولة لاختلاف أبنائها، ويختار أبناؤها الدولة وطناً نهائياً لهم.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon