مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

 السعودية اليوم -

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

ما نراه حولنا فى كل تصرفاتنا وسلوكياتنا من استباحة واقتحام المساحة الخاصة للمواطن، يعكس حقيقة دامغة بأننا ما زلنا لم ندخل باب المدنية الحديثة بعد، تحدثنا فى مقال سابق عن عدم احترامنا للفضاء العام المشترك، واليوم نتحدث عن مرض الحشرية الذى يسكن تحت جلودنا، فنعتبر البشر باترونات لأفكارنا، وقوالب لمفاهيمنا، وانعكاسات لأوهامنا التى تحتل أدمغتنا، ولذلك كتب علينا أن نناقش بديهيات حسمها العالم منذ قرون، بداية من اعتبار «البحلقة» بلزوجة إلى امرأة أو فرض زى يكفنها، وحتى اقتحام جماجم الناس للتفتيش عن صحة أفكارهم من وجهة نظر فضيلتك!، الحدود بين الخاص والعام عندنا ضبابية، الجسد، المظهر، العلاقات الشخصية، والاختيارات الفردية كثيرًا ما تُعامل باعتبارها شؤونًا قابلة للتعليق والمساءلة والتدخل، لا بوصفها حقوقًا خاصة محمية، هذا الخلط يجعل الفرد حاضرًا دائمًا فى مرآة الجماعة، لا فى حيزه الشخصى المستقل، ويُعد احترام المساحة الشخصية أحد المعايير الأساسية لقياس نضج أى مجتمع، ليس بوصفه سلوكًا اجتماعيًا فحسب، بل كقيمة أخلاقية وقانونية تعكس نظرة المجتمع إلى الفرد وحدوده وكرامته، لكن عندنا ما زال يُقاس السلوك بمدى توافقه مع «الصورة المقبولة» اجتماعيًا، لا بمدى احترامه لحرية الشخص وراحته النفسية، هكذا تتحول الرقابة إلى ممارسة يومية يمارسها الناس على بعضهم البعض، لا باسم القانون، بل باسم العرف، والسمعة، والخوف من كلام الآخرين.

فى قلب التجربة العلمانية الحديثة يبرز مفهومٌ أساسى غالبًا ما يُساء فهمه أو يُهمَل، اسمه، المساحة الشخصية، هى ليست بهرجة أو زائدة دودية أو ترفًا اجتماعيًا ولا نزوة فردية، بل حقٌّ أخلاقى وقانونى يضمن كرامة الإنسان، ويؤسس لعلاقة صحية بين الفرد والمجتمع، العلمانية نحن نفهمها على أنها ممارسة سياسية فقط، الحق يقال إنها ممارسة اجتماعية أصلا، لا تبدأ من السياسة، بل من الجسد، والضمير، والحياة الخاصة؛ من الاعتراف بأن لكل إنسان حدودًا لا يجوز تجاوزها، لا باسم الدين، ولا الأخلاق، ولا الأغلبية، ولنأخذ التعريف الأكاديمى، المساحة الشخصية هى المجال الذى يملك فيه الفرد حق السيطرة على ذاته، ويشمل: جسده وحدوده الفيزيائية، أفكاره ومعتقداته، حياته الخاصة وخياراته الشخصية، نمط عيشه ما دام لا يعتدى على غيره، وهى المنطقة التى يُفترض أن تكون محمية من التدخل غير المرغوب فيه، سواء كان هذا التدخل جسديًا، لفظيًا، أو معنويًا، يقول جون ستيوارت ميل: «حرية الفرد تنتهى عندما تبدأ حرية الآخرين»، هذه القاعدة ليست قانونًا فقط، بل مبدأ أخلاقى يُلزم المجتمع بعدم اقتحام حياة الفرد طالما لم يُلحق ضررًا بغيره، لماذا قلنا إن العلمانية ليست سياسة فقط، العلمانية، فى معناها العميق، تقوم على الفصل بين الخاص والعام، وهذا الفصل لا يحمى الدولة فقط من التديُّن القسرى، بل يحمى الفرد من الوصاية، فى المجتمع العلمانى لا يُسأل الإنسان عن إيمانه، لا يُراقَب سلوكه الخاص أخلاقيًا، لا يُطالَب بتبرير خياراته الشخصية، طالما أن سلوكه لا يعتدى على حقوق الآخرين أو النظام العام، ما نراه عندنا هو عكس ذلك تماما، فاقتحام المساحة الشخصية يحدث بطرق متعددة، منها: التدخل فى الملبس أو الجسد أو العلاقات الخاصة، فرض النصيحة الأخلاقية دون طلب، والوصاية الدينية على السلوك الفردى، التجسس الاجتماعى باسم «الحرص» أو «الأمر بالمعروف»، تحويل الذوق الشخصى إلى معيار أخلاقى عام، فتجد مثلا مجموعة من الملتحين يذهبون إلى الناس على المقاهى والبلاجات للوعظ والزجر والنهى عن المنكر!!، السؤال ببساطة: انت مال حضرتك؟، «إيش دخل وأخشش مناخير فضيلتك فى حياتى؟، وإيش عرفك إن ده المنكر هل معاك التوكيل أو مازورة الأخلاق؟!».

كل هذه الممارسات، مهما بدا ظاهرها أخلاقيًا، تُعد انتهاكًا مباشرًا لحرية الفرد، لابد أن نعرف الفرق بين النصيحة والوصاية، العلمانية لا تمنع النصح، لكنها ترفض الإكراه الأخلاقى، لكن ماذا يحدث حين لا تُحترم المساحة الشخصية؟، عندما تُلغى الحدود الفردية ينتشر النفاق الاجتماعى، وتتحول الأخلاق إلى أداة قمع، يُراقَب الجسد والضمير، يختفى الإحساس بالأمان النفسى، النتيجة النهائية مجتمع مشحون، خائف، مذعور، يخلط بين الفضيلة والقهر، احترام المساحة الشخصية ليس أنانية، بل أخلاق مدنية راقية، وهو جوهر العلمانية والدولة المدنية بوصفها نظامًا يحمى الإنسان من الإنسان، فى المجتمع العلمانى لا يقول لك أحد: كيف تعيش؟، بل يسألك فقط: هل أذيت غيرك؟، وما عدا ذلك انت حر، شأنك الخاص.

 

arabstoday

GMT 20:37 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 20:36 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

يجروننا إلى الخلف !

GMT 20:33 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

ميسي ويامال مؤامرات وأهوال

GMT 20:31 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

أين نحن الآن؟!

GMT 20:29 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة

GMT 20:27 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

فتّش عن المرأتين

GMT 19:01 2026 الجمعة ,17 تموز / يوليو

لكن ما هو النظام القديم؟ أسطورة النهضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة مرض «الحِشَرية» واستباحة المساحة الخاصة



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - السعودية اليوم

GMT 16:12 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 19:38 2020 الإثنين ,14 كانون الأول / ديسمبر

موديلات فساتين زفاف ريش لعروس2021
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon