عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث

عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث

عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث

 السعودية اليوم -

عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

تخيلوا أن آخر دولتين ضد تطعيم شلل الأطفال هما أفغانستان وباكستان، ما زال إعلان العالم خالياً من شلل الأطفال ينتظر هاتين الدولتين، طالبان هناك غسلت العقول أن التطعيمات تسبب العقم، وأن الغرب يريدون تعقيمهم!!، وكأن المسلمين ما ينقصهم فقط هو التناسل!!!، نستكمل قصص صراع الكهانة مع الطب الحديث، والتى بدأناها فى المقال السابق، عندما أعلن الطبيب الإنجليزى إدوارد جينر فى نهاية القرن الثامن عشر أن بإمكانه حماية البشر من الجدرى عبر مادة مأخوذة من جدرى البقر، لم يُستقبل كبطل علمى، أو منقذ للبشرية من المرض الذى يفتك بعشرات الملايين، ويبيد مدناً بأكملها ويمحوها من على الخريطة، بل كمتهم ومدان بالجنون والتجديف، وحش الجدرى مشوّه وجوه الناجين بالندوب والعمى، برغم تشويهه ووحشيته وجه اليه رجال الدين سؤالاً استنكارياً، كيف تحقن إنساناً بمادة قادمة من حيوان؟!، انطلقت ضد جينر موجة هائلة من السخرية والهجوم، نشرت الصحف رسوماً كاريكاتيرية تظهر أشخاصاً تنبت من أجسادهم قرون وأذيال وأبقار صغيرة بعد التطعيم. أشهر هذه الرسومات كانت للفنان جيمس جيلراى، الذى صوّر الملقحين وكأنهم يتحولون تدريجياً إلى بقر، رجال الدين شنوا هجوماً أعنف، قال قساوسة إن الجدرى عقاب إلهى، وإن مقاومته تعد على مشيئة الله.

ووصف بعضهم التطعيم بأنه تدنيس للجسد الذى خلقه الرب، بينما رأى آخرون أن إدخال مادة من البقر إلى جسم الإنسان عمل غير طبيعى يناقض النظام الإلهى، وكان هناك خوف نفسى عميق أيضاً، فالناس كانوا يرون التطعيم تجربة مرعبة وغامضة، خاصة أن الطب وقتها لم يكن يملك تفسيراً علمياً للمناعة أو الفيروسات، لم يكن أحد يعرف كيف تعمل اللقاحات، جينر يقول فقط إن التعرض لجدرى البقر الخفيف يمنع الجدرى القاتل لاحقاً، للأسف حتى بعض الأطباء هاجموه متأثرين بذلك الهجوم، معتبرين طريقته طباً ريفياً مبنياً على خرافات الفلاحين، فقد استلهم جينر فكرته من ملاحظة قديمة لدى عاملات حلب الأبقار وهى أن من تصاب بجدرى البقر لا تُصاب غالباً بالجدرى البشرى، لكن النتائج كانت أقوى من السخرية. بدأت الوفيات تنخفض، وظهرت مجتمعات كاملة نجت من الوباء بفضل التطعيم. ومع مرور الوقت، تحوّل اللقاح من فكرة يسخر منها الناس إلى أعظم انتصار وقائى فى تاريخ الطب، وفى القرن العشرين، أعلنت منظمة الصحة العالمية القضاء الكامل على الجدرى، ليصبح أول مرض بشرى يُمحى من على وجه الأرض بفضل اللقاحات.

هناك قصة الكوليرا أيضاً، فى صيف عام ١٨٥٤، كانت لندن تعيش حالة رعب، الناس يسقطون فى الشوارع بسبب مرض غامض يقتل خلال ساعات، قيء عنيف، إسهال حاد، جفاف قاتل، ثم موت سريع. كان هذا هو وباء الكوليرا، أحد أكثر الأمراض رعباً فى القرن التاسع عشر، فى ذلك الوقت، كان التفسير السائد بين الأطباء والسلطات هو ما يسمى نظرية الميازما، أى أن المرض ينتشر عبر الهواء الفاسد والروائح الكريهة. كان الجميع مقتنعين أن الرائحة هى القاتل الحقيقى.


ولا يوجد غير الدعوات والصلوات والتوسلات، وسط هذا الإجماع ظهر طبيب إنجليزى هادئ اسمه جون سنو ليقول شيئاً بدا جنونياً حينذاك، الكوليرا لا تنتقل عبر الهواء، بل عبر الماء، لم يكن يملك ميكروسكوبات متطورة ولا يعرف أحد وقتها بكتيريا الكوليرا، لكن سنو لاحظ شيئاً غريباً، معظم الضحايا يشربون من مضخة مياه عامة فى شارع برود ستريت بحى سوهو، بدأ الرجل ما يشبه التحقيق الجنائى الطبى. كان يطرق الأبواب، ويسأل الأسر: من أين تشربون الماء؟ ثم يرسم النقاط على خريطة للحى، شيئاً فشيئاً ظهرت الحقيقة المخيفة: الإصابات تتجمع حول المضخة كأنها مركز انفجار غير مرئى، لكن المجتمع لم يصدقه، كيف يكون الماء النظيف ظاهرياً أخطر من الهواء المتعفن؟، كانت فكرة كائنات غير مرئية تنقل المرض تبدو أقرب للخرافة من العلم وقتها، ثم اكتشف سنو دليلاً حاسماً.

بعض العمال فى مصنع قريب لم يصابوا تقريباً بالكوليرا، لأنهم كانوا يشربون الجعة بدلاً من ماء المضخة، كما أن امرأة تعيش بعيداً عن المنطقة ماتت بالكوليرا بعد أن طلبت خصيصاً إرسال ماء من مضخة برود ستريت لأنها تحب طعمه، قرر سنو اتخاذ خطوة جريئة. أقنع السلطات المحلية بإزالة ذراع المضخة، بحيث لا يستطيع الناس استخدامها، وبعدها بدأ الوباء فى الانحسار، كانت تلك اللحظة واحدة من أهم اللحظات فى تاريخ الطب، لم يكن سنو قد اكتشف البكتيريا نفسها بعد، لكن طريقته فى تتبع المرض وربط الحالات بمصدر العدوى أسست ما نعرفه اليوم بعلم الأوبئة، لاحقاً أثبت روبرت كوخ أن الكوليرا تسببها بكتيريا تنتقل بالمياه الملوثة، ليتحول جون سنو من طبيب يسخر منه الناس إلى أحد آباء الصحة العامة الحديثة.

العلم يحترم الحقيقة وليس الرغبة أو التمنى أو أفكارك المحفوظة المتوارثة.

arabstoday

GMT 15:44 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

GMT 15:39 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 15:30 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

GMT 00:17 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

42 عاماً من الأفكار

GMT 00:14 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

إيران تستقوي بدعم عسكري وتقني صيني ــ روسي

GMT 00:10 2026 الخميس ,28 أيار / مايو

عصب الحياة المشلول في السودان!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث عندما تمرد الطبيب على الكاهن ولد الطب الحديث



أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - السعودية اليوم

GMT 19:11 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 02:10 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

عبد الفتاح شرف يكشف عن نظام تجارة عالمي جديد

GMT 12:51 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

المنتخب السعودي يفوز في 5 مباريات ويخسر في8 خلال 2018

GMT 06:11 2018 الجمعة ,02 شباط / فبراير

طريقة إعداد الكريب بالنوتيلا والكريم شانتيه

GMT 12:10 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

مريم حسن بالحجاب في الموسم الثاني من نصيبي وقسمتك

GMT 19:16 2017 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

النجمة نجلاء بدر ضيفة سمر يسري فى "أنا وأنا" على on e

GMT 13:06 2017 الأربعاء ,22 شباط / فبراير

"Arabs Got Talent" ينطلق على شاشة MBC والمفاجآت مستمرّة

GMT 04:59 2017 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

عطر "أرماني كود" إطلالة مثيرة في جميع المناسبات

GMT 18:56 2016 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

عماد الدين العدوى يلتقي مع نظيره عبد الرحمن بن صالح

GMT 18:10 2017 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

لنكاوي من أجمل جزر العالم لقضاء أوقات رومانسية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon