التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة
أخر الأخبار

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

 السعودية اليوم -

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

خُلِق البشر بعقولٍ تفكر ومشاعر تحس وعواطف تنحاز، غير أن بعض البشر استطاعوا تجاوز هذه الثلاثية الإنسانية، بشكلٍ أو بآخر، مما خلق منهم أشخاصاً بالغي التميّز والجدارة، إنْ في الخير وإن في الشر، وقد استوى العالم بعد تاريخه الطويل على أن السياسة يجب ألا تخضع للعواطف، بل تخضع للمنطق المحض أو للمصلحة المحضة، أو لهما معاً، ولهذا فليس لدى كثيرٍ من الناس مهما بلغ بهم العلم، وتمكنوا من الثقافة أن يكونوا قادةً، فالقيادة هي طريق المسؤوليات الجسام التي لا يطيقها أغلب الناس.

العظماء يصنعون التاريخ، سلباً وإيجاباً، والتاريخ ليس سهل العراك ولا لين العجينة لكل صانعٍ، بل هو لمن جمع التوازن كل التوازن مع الحكمة كل الحكمة، وهو الطبيعة والمنطق والتراكم، ومن هنا كان مفهوم «التوازن» مفهوماً بالغ الأهمية لدى كل فئات البشر، إنْ في الأديان أو الفلسفات أو الثقافات. وفي الفلسفة كان أرسطو يرى أن الفضيلة تكمن في التوازن بين طرفين متطرفين، وفي الأدب والشعر كثيرٌ من هذا، ومثله في حكم الشعوب وأمثالها.دون الوعي بأهمية «التوازن» سياسياً وثقافياً ومجتمعياً، فإنَّ كثيراً من الكتاب والمحللين يخطئون ويقعون في عماية التيه وغيابة الجب، لأنهم إما يقصرون في تحصيل المعلومة، أو يصبحون أسرى لها فحسب، وإما أن يذهبوا بعيداً في التحليل لتجنب الحدث الصاخب حرباً كان أم سلماً، والالتهاء بجدالاتٍ قديمةٍ، وإما في اللجوء الكامل لخفض سقوف الجدل وبناء الوعي وصناعة المستقبل.

«التوازن» مفهومٌ سياسيٌ يختلف عن معانٍ مشابهةٍ دينياً وثقافياً، مثل مفهوم الوسطية، فالتوازن مفهومٌ مرنٌ للتعامل المباشر مع التطورات بعقلٍ وحكمةٍ، بينما الوسطية مفهومٌ يركز على «التوسط» و«الخيرية» الغيبية، وبالتالي فالمعنيان مختلفان؛ فالتوازن في السياسة مفهومٌ مقياس العقل، بينما الوسطية والخيرية مقياسهما الإيمان.

الحرب الأميركية - الإيرانية اليوم هي حدثٌ كبيرٌ وأمرٌ جللٌ يهم العالم بأسره من أقصاه إلى أقصاه، والتوازن في رؤيتها وفهمها يأتي من بناء التصورات الصحيحة وانتقاء التحليلات المهمة، لا العبثية، مع صياغة التعامل مع المشكلات القائمة، بالإضافة لاستقراء السيناريوهات المستقبلية التي يمكن البناء عليها.

لا يمكن لأحدٍ فهم «التوازن» واستقطار «الحكمة»، ما لم يكن ملمّاً بالعلم المطلوب والمعرفة الحقيقية والوعي الواسع القادر على اكتناز الكثير للخروج بالقليل.

حين تسكن الرداءة عقلاً أو تشكل سياسةً، كما هو الحاصل اليوم في أنحاء كثيرة من هذا العالم، فإنَّ كل شيء يتمّ تحويله إلى مستوى معين من «التفاهة»، حتى يمكن التعامل معه، إن في السياسة أو الثقافة أو الإعلام أو غيرها من المجالات الاجتماعية والإدارية.

الرداءة لها شروطٌ تختلف تماماً عن شروط «التوازن» و«الحكمة»، وشروطها ثلاثةٌ رئيسةٌ، هي السرعة والحسم والشهرة، بحيث تصبح كل «أزمة» أو «حربٍ»، مهما كانت معقدةً أو شائكةً، وكل «فكرةٍ» عميقةٍ أو «مفهوم» متشعبٍ، لا تحتاج لأكثر من سرعةٍ وحسمٍ وشهرةٍ حتى تنتهي في لحظتها، ويمكن فهمها بشكلٍ مبسطٍ عبر مشاهدة الفيلم الأميركي الهوليوودي: «لا تنظر للأعلى».

العلم والمعرفة والاشتغال بالفكر والفلسفة تدفع باتجاه الهدوء والتعقل، وتعزز لدى الإنسان وتعلي من قيمة البحث والتنقيب، وتعزز مهارات التدقيق والتمحيص، وهذا ما يحتاج إلى صبر وجلد ووقت، وهذا تحديداً ما ينافي السرعة والحسم والشهرة للذين يطرحون أفكارهم ورؤاهم بشكلٍ متسرعٍ وقطعيٍ، وغالباً ما تكون أحكامهم أبعد ما تكون عن الصحة والصواب، ولهذا فهم يتناقضون دائماً تجاه نفس القضية في وقتٍ قصيرٍ، بينما أصحاب المعرفة تذهب بهم غالباً إلى التفكير النسبي الذي هو لصيق بالتفكير العلمي، وهو الذي يدفع لطرح التساؤلات وبناء المقارنات وتعديد الخيارات، وهو ما يعيدنا لمفهومي التوازن والحكمة.

إنَّ فقدان التوازن والحكمة من أكثر ما يفضح هذه الظاهرة منهجياً وعلمياً، لأنها بسبب السرعة والحسم والشهرة تضطر لتبني المتناقضات، وتستطيع جمع الأضداد بنفس الحماسة والانتشار، دون شعورٍ بأي خللٍ منهجي، ومن أوضح الأمثلة على هذا تلك الحملات «السوشيالية» المنظمة لها غاياتٌ تريد الانتهاء منها، وهي لذلك تحتاج كثيراً لجمع السطحيين وتمجيدهم ودعمهم وإعطائهم مكانةً ليست لهم، وبالتالي تتفشى «التفاهة» في المجتمعات باعتبارها سبيلاً سريعاً للشهرة والانتشار وربما للنجاح والتميّز، بحسب هذه المعايير.

 

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة التوازن والحكمة في مواجهة الرداءة



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon