بقلم : طارق الشناوي
كعادتى، أُفضّل مشاهدة الأفلام فى السينما، يفصلنى عنها نحو ٨ دقائق سيرا على الأقدام، كثيرا ما يتفضل البعض بأن يُسمعنى آراءه، وأحيانا يطلب المشورة لاختيار الفيلم.. إجابتى الدائمة أريد الاستماع إلى آرائكم.
بمجرد عرض فيلم (٧ دوجز) وقف فى المقدمة متفردا، يحتل المركز الثانى بفارق كبير (أسد) و(الكلام على إيه)، شاهدت الأفلام الثلاثة وتبقى (إذ ما). القرار الوزارى الملزم، ممنوع عرض أى فيلم أجنبى طوال العيد، بينما السينما التى أذهب إليها لديها ٦ شاشات، منحت لفيلم (٧ دوجز) أكثر من شاشة حتى يستوعب الإقبال الجماهيرى، الطوابير تشير إلى أن الجمهور توجه مع اختلاف درجة الإقبال إلى الأفلام الثلاثة، بينما اكتشفت أنه ولا تذكرة تم بيعها من (إذ ما)، باستثناء واحدة للعبد لله.
القانون يؤكد من حق المتفرج مشاهدة الفيلم حتى لو كان وحيدا فى الصالة، شعرت بالإشفاق على صاحب السينما، تشغيل صالة من أجل زبون واحد يحقق خسارة فادحة، ولأننى بطبعى لا أفضل التكييف، ولأن درجة الحرارة كانت معقولة، طلبت إيقاف التكييف، شعرت بعدها أننى أساهم فى تقليل نفقات العرض.
المشاهدة وحيدا تنزع عنك الإحساس بالطقس السينمائى، أحد أهم الشروط هو توافر الجمهور من خلال ردود أفعاله فى الضحك والابتسام، حتى فى الصمت أو الهمهمات تستطيع متابعة الشريط فى ظرف صحى وصحيح، لم يكن أمامى وسيلة أخرى سوى أن أجد فقط أنفاسى تشاركنى المشاهدة.
فيلم يتصدره اثنان من أكثر جيلهم موهبة، يتمتعان بحالة من الحضور الجماهيرى، أحمد داود وسلمى أبو ضيف. داود قبل أقل عامين حقق فى فيلم (الهوى سلطان) بطولة مشتركة مع منة شلبى رقما استثنائيا فى شباك التذاكر، جعل الدفع به بطلا على الأفيش منطقيا. سلمى فى كل رمضان، طوال السنوات الثلاث الأخيرة تخرج مكللة بالنجاح الرقمى، هل يتحمل فقط توقيت العرض كل أسباب الإخفاق؟.. إجابتى هى المخرج وهو أيضا كاتب السيناريو وصاحب القصة، ساهم بقسط كبير فى تلك الهزيمة، المتفرج الذى يذهب للسينما مدعما بالعيدية يعتبرها أقرب إلى فسحة يواصل عن طريق الشاشة الإحساس ببهجة العيد بمفرداتها الظاهرية المباشرة، وهو ما افتقده الفيلم.
(إذ ما) نشرها قبل سنوات محمد صادق كرواية، حققت أرقاما مرتفعة كعادته فى البيع، مثلما فعلها من قبل فى فيلمه ( هيبتا )، اخراج هادى الباجورى، نجح (هيبتا) فى الجمع بين القيمة الأدبية والفكرية وأيضا شباك التذاكر.
لم أقرأ الرواية حتى كتابة هذه السطور، الفيلم الذى أخرجه أيضا محمد صادق فى أول تجربة إخراجية له قدم لنا مفتاح فك شفرة غموض العنوان، اللغز قائم على لعبة مراجعة حياة الإنسان، بعد مرور مرحلة زمنية وهكذا البطل أحمد داود وضع أمامه رقم ١٨، وعندما وصل لضعف عمره ٣٦ بدأ شريط الحساب والمواجهة، وعاش فى جحيم، نكتشف فى نهاية الشريط أنه يقدم فيلما وثائقيا عن حياته، وأن تلك المحاكمة الظاهرية كانت مجرد جزءا من اللعبة التى شاركته أنت أيضا كمتلقى جزءا منها، محمد صادق أراد هذه المرة أن يقدم رؤيته ثلاثية ككاتب قصة وسيناريو ومخرج فى أول تجربة له.
كان نجيب محفوظ يطالب تلاميذه بتعلم السيناريو، نجيب كتب فعليا أو شارك على أقل تقدير فى نحو أكثر من ٢٠ سيناريو، وعدد منها عن قصص لكبار الأدباء مثل إحسان عبد القدوس، إلا أنه ولا مرة كتب سيناريو لرواية تحمل توقيعه، حتى يتيح لعين أخرى أن تحفر فى العمق، الإحساس الأدبى فى صناعة الحبكة والإفراط فى الاستعانة برباعيات صلاح جاهين، كانت بحاجة إلى تحقيق معادل درامى على مستوى الكتابة وأيضا فى التكوين البصرى. أعجبنى أداء داود ومن قام بدوره صغيرا حمزة دياب، وسلمى أبو ضيف وجيسكا صلاح الدين، وأرى أن بسنت شوقى تستحق أن تجد لها مساحة على الشاشة وهكذا ما يحسب لمحمد صادق كمحرج.
نعم، الفيلم ظلمه توقيت العرض، إلا أنه كان بحاجة أيضا إلى رؤية درامية وبصرية أكثر عفوية وبساطة وتلقائية!!.