لا أتصور أن هناك هذه المرة مفاجأة. حصل الفيلم، المرشح لأكبر عدد من جوائز الأوسكار، على 6 منها، بينها الإخراج والسيناريو المقتبس عن الرواية والمونتاج وأفضل فيلم، ليضع على رأسه تاج أعرق وأهم جائزة عرفها الناس قبل 98 عامًا.
عدد نادر من مبدعى السينما الكبار لديهم إطلالة ثنائية على أى قضية يتناولونها، أولا نظرة بانورامية تتسع فيها مساحات الرؤية، تصاحبها ثانيا فى نفس اللحظة نظرة دقيقة متأنية تفصيلية، تمسك بأدق اللمحات.
يقتربون لدرجة الالتصاق، ويبتعدون إلى حد التحليق، يتعاملون مع القضية السينمائية على طريقة الجراح الذى ينتزع جزءا فى المعمل يكشف من خلاله كل ما هو كامن.
الحدث ليس هو الهدف، ولكن الإمساك بالدوافع والأسباب، لترى أدق وأرق تفاصيله وكأنهم يطلون على العالم من خلال (ميكروسكوب)، وفى نفس الوقت لديهم قدرة على أن يطلوا بنظرة أشبه بعين الطائر، من أعلى ليقدموا رؤية شاملة بانورامية، وهكذا من الممكن أن أرى يد المبدع وهى تمسك أيضا فى نفس الوقت (تليسكوب)، وهذا هو ما حرص عليه المخرج وكاتب السيناريو، بول توماس أندرسون، وهو يتناول حقبة من تاريخ أمريكا، منذ نهاية الثمانينيات، حتى مطلع الألفية.
المخرج لا يتوقف عن تشريح تلك البنية الفكرية والأيديولوجية للإنسان الأمريكى، والتى لا تزال تترك وشما على الذاكرة الأمريكية بكل تنويعاتها. أتحدث عن النظرة العنصرية تجاه المختلف فى اللون أو العرق أو (الجينات)، هناك مَن يتحدث عن التسامح الظاهرى فى المجتمع الأمريكى، بينما الأخطر والذى أشار إليه الفيلم بقوة هو أن العمق لا يزال يحمل فيضا من التطرف، وما هو هادئ على السطح نكتشف انه لا يزال يغلى فى الأعماق. الفيلم يقدم بين الحين والآخر تلك المسافة الزئبقية بين الظاهر والباطن، ليدفعك بعد أن تقرأ كلمة النهاية إلى أن تستعيد مجددا ليس فقط ما أشارت إليه الشاشة، ولكن ما أوحت به أيضا بين اللقطات.
الرؤية السردية البصرية تجعلك طرفا مشاركا فى السيناريو، لا يقدم لك أحداثا متسلسلة، قد يتراجع خطوة للخلف، حتى يصل إلى نهاية الثمانينيات، ثم يقفز معك حتى مطلع الألفية الثالثة، عمق الرؤية ليس فى الوصول إلى حقيقة الشخصيات، ولكن تكتشف أنك تستعيد شريط حياتك أنت.
الإشارات التى يرسلها الفيلم لأبطاله لا تخصهم وحدهم. يجيد المخرج ببراعة إيقاظ المتفرج عقليا ووجدانيا لتصل إليك وأنت فى مقعدك تلك الإشارات.
لديك مثلا الإشارة الدرامية بأن الفتاة السمراء، بطلة الفيلم، من الممكن أن تصبح هى ابنة رجل (سادي) يحب تعذيب الآخرين، أبيض اللون، الكاره فى نفس الوقت لكل مَن يخالفه الفكر أو اللون، والذى أدى دوره باقتدار شون بن- ونال عنه أوسكار الممثل المساعد- فهذا لا يعنى أنك سوف تشعر بسعادة ملتقطا أنفاسك بعد أن أمسكت الحقيقة بيديك، ولكن هنا تبدأ أنت فى إعادة النظر إلى حكايتك، وكأنك تقرأ مجددا صفحات من كتاب حياتك.
ويبقى السؤال عن المسافة الافتراضية بين شباك التذاكر الذى يعبر عن رغبة الجمهور مباشرة، لأنه كما نصفه دائما صندوق انتخابات شفاف لا يمكن تزوير نتائجه، وعلى الجانب الآخر هناك النقاد وأيضا المهرجانات ثم المسابقات وعلى رأسها طبعا (الأوسكار)، وهى المسابقة الأقدم والأكثر شهرة وتأثيرا فى العالم كله، العديد من النقاد فى العالم عند عرضه قبل نهاية العام الماضى، ومن بينهم كاتب هذه السطور، رشحوا الفيلم لانتزاع
(الأوسكار)، الفيلم عند عرضه جماهيريا فى مصر والعالم العربى، فى نفس التوقيت تم عرضه بأمريكا وأوروبا، ولم يسفر عن نجاح جماهيرى طاغ بما يتوافق مع الميزانية العالية للفيلم، ويتوازى أيضا مع أسماء نجومه الكبار، الذين يكفى اسم واحد منهم على الأفيش حتى يضمن الرواج لشباك التذاكر.
الفيلم صاغه بأسلوب ملحمى كاتب السيناريو والمخرج بول توماس أندرسون مع كل هؤلاء النجوم بحجم ليوناردو دى كابريو وشون بن وبينيشو ديل تورو وغيرهم.
الشريط السينمائى معالجة درامية عن رواية فينلاند لتوماس بيتشون.. نظريًا، الفيلم به كل المفردات التى تضعه على رأس قائمة اختيارات الجمهور، مزج أحداثه بلمحات كوميدية لا يمكن أبدا إنكارها، مع فيض من الإثارة والأكشن والغموض والجريمة، وتحليل اجتماعى لجماعة متطرفة فى توجهها السياسى اليسارى، نشاطها موجه لفضح الحكومة وإحراجها أمام الشعب، ورغم ذلك، لم تصل الإيرادات إلى حجم التوقع. أتصور أن تتويجه بالأوسكار سيدفع البعض لإعادة قراءته مجددا على الشاشات.
(المعركة تلو الأخرى)، لا نراها. فقط نراها على الشريط. ستكتشف، بعد نهاية العرض، أنك تخوض معارك فى حياتك ربما أشد وطأة، كلنا شئنا أم أبينا نعيش فى داخلنا (معركة تلو الأخرى)!.