مادورو ومفهوم السيادة الغامض

مادورو ومفهوم السيادة الغامض

مادورو ومفهوم السيادة الغامض

 السعودية اليوم -

مادورو ومفهوم السيادة الغامض

أمير طاهري
بقلم : أمير طاهري

كانت كلمة «غير قانوني» هي الكلمة الأكثر استخداماً من الحكومات والمعلقين في جميع أنحاء العالم لوصف اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في نهاية الأسبوع الماضي، بواسطة فرقة «دلتا» النخبوية الأميركية.

ومع ذلك، فليس هناك إجماع على الأمر. فالبعض، بما في ذلك العديد من السياسيين اليساريين في أوروبا، يصفونه بـ«عمل من أعمال القرصنة». والبعض الآخر يصفه بـ«احتجاز رهائن». كما استُخدم أيضاً مصطلح «اختطاف».

هذا التنافر السياسي والقانوني يضع مصطلح «غير قانوني» بين قوسين للإشارة إلى الشك. إذ يوصفُ الفعل بأنه غير قانوني عندما يخالف قانوناً أو مجموعة من القوانين المحددة بوضوح والمعترف بها من قبل المجموع. وفي هذه الحالة، من المفترض أن يتألف ذلك «المجموع» من 193 دولة عضواً في منظمة الأمم المتحدة، بما في ذلك كل من فنزويلا والولايات المتحدة.

أولئك الذين يجادلون بأن العملية الأميركية كانت غير قانونية يشيرون إلى مبدأ «السيادة الوطنية» الذي من المفترض أن يكون حجر الزاوية في القانون الدولي. والمشكلة أن القانون الدولي نفسه لا يُقدم تعريفاً واضحاً للدولة أو لمصطلح السيادة. واتفاقيات أوروغواي تُعرّف الدولة بأنها بلد له حدود محددة ويخضع لسيطرة سلطة مستقلة. وتتمتع مثل هذه الكيانات بالسيادة داخل حدودها ووفقاً لقوانينها الخاصة.

مع إنشاء منظمة الأمم المتحدة، أُضيف الالتزام بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان شروطاً للاعتراف بمفهوم السيادة الوطنية. وقد ركز ميثاق الأمم المتحدة، الذي وضعته الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، على وضع قواعد، وإن كانت غامضة، بشأن استخدام القوة في سياق عمل حربي ضد دولة عضو من جانب دولة عضو أخرى.

ومن ثم، فإن أي استخدام للقوة العسكرية لن يكون قانونياً إلا إذا وافق عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على وجه التحديد، كما كان الحال في تدخل الولايات المتحدة في الحرب الأهلية في شبه الجزيرة الكورية وإجلاء العراق عن الكويت المحتلة. ومع ذلك، فإن النظام القانوني الفوضوي ذاته يعترف أيضاً بالحق في الدفاع عن النفس، وحتى في اتخاذ إجراءات وقائية في مواجهة خطر حاضر وجليّ.

في السنوات الأخيرة، أثيرت اعتبارات أخرى لتبرر استخدام القوة باسم «حق التدخل» و«مبدأ الحماية». وقد كان شن الحرب بإذن من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة استثناء نادراً.

فجميع الحروب العربية - الإسرائيلية، والحروب الأربع بين الهند وباكستان، والحربان بين بوليفيا وتشيلي، والحرب بين المملكة المتحدة والأرجنتين على جزر الفوكلاند، والحرب بين إيران والعراق، والحرب الحالية بين كمبوديا وتايلاند، هي من بين العديد من حالات استخدام القوة من دون مراعاة القواعد التي أرستها الأمم المتحدة.

وقد تجاهلت جميع الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن -التي تتمتع بحق النقض «الفيتو»- هذه القواعد. إذ تدخلت الولايات المتحدة في الهند الصينية، وفي غرينادا، وفي حرب العراق الثانية من دون موافقة الأمم المتحدة. كما ضمت روسيا أجزاء من أراضي اليابان، والصين، وجورجيا، وأوكرانيا من دون أدنى مراعاة لمفهوم «السيادة الوطنية» المقدس.

وقد ضمت الصين أجزاء من الأراضي الهندية والفيتنامية بنفس الطريقة، كما تواصل ضم جزر في بحر الصين الجنوبي، بينما تلوّح بسيفها المسلط على تايوان.

وقد استخدمت فرنسا القوة العسكرية في ستة بلدان أفريقية لتنصيب أو حماية أنظمة تابعة لها، بينما ساعدت الانفصاليين في كندا ونيجيريا من دون مراعاة لسيادة تلك الدول. وقد استخدمت بريطانيا القوة العسكرية في ماليزيا، وشاركت في الحرب الثانية على العراق إلى جانب الولايات المتحدة.

كما تجاهلت دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة هذا المبدأ. إذ ضمت الهند إقليم «غوا» البرتغالي، ومقاطعتي «ماهي» و«تشانديرناغور» الفرنسيتين. كما ضمت إندونيسيا منطقة «إيريان» الغربية وجزءاً من جزيرة تيمور. وهاجمت تركيا أجزاء من قبرص، ولا تزال تحتلها. وتدخلت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي في يوغوسلافيا السابقة بُغية تغيير النظام في صربيا وفصل إقليم كوسوفو كدولة مستقلة.

وأحياناً، يُسفر احترام السيادة الوطنية عن نتائج مأساوية. فقد وقفت القوات الخاصة الهولندية -المتمركزة في البوسنة لحماية المدنيين- مكتوفة الأيدي بينما كانت الميليشيات الصربية تواصل ذبح أكثر من 8000 مسلم على مرمى حجر من قاعدة الأمم المتحدة. وفي رواندا، أبلغت القوات الفرنسية باريس أن حكومة الهوتو كانت تذبح التوتسي على نطاق واسع. وكان أمر الرئيس فرنسوا ميتران هو احترام «السيادة الوطنية» لرواندا وعدم اتخاذ أي إجراء.

دعونا نرجع إلى مسألة السيادة في حالة فنزويلا. أليس من المبالغة القول إن نظام مادورو يمثل تلك السيادة؟ فقد خسر مادورو الانتخابات الرئاسية مرتين، واحدة منها أقر البرلمان الفنزويلي نفسه بفوز المعارضة فيها، ثم عاد إلى الظهور كديكتاتور. ألا يمكن اعتبار ذلك انتقالاً للسيادة منه إلى الشعب الفنزويلي الذي لا يبدو مستاءً من رحيله ويأمل في استعادة سيادته الوطنية؟ فماذا عن السيادة الوطنية للولايات المتحدة؟ هل المفاهيم الدولية الضبابية تتخطى مستوى القوانين الوطنية؟

في عام 2022، اتهمت وكالة مكافحة المخدرات الأميركية، مادورو وزوجته بتهريب المخدرات، وهي جريمة فيدرالية. ومن ثم، كان على الحكومة الفيدرالية واجب تقديمهما إلى العدالة. من الناحية النظرية، كان من الممكن أن يضطلع بذلك الإنتربول الذي تنتمي فنزويلا إلى عضويته. لكن من الخيال الافتراض بأن شرطة مادورو نفسها كانت ستعتقله وتسلمه بموجب الاتفاقات الموقعة بين واشنطن وكاراكاس في ستينات القرن الماضي.

كانت هناك حالات مماثلة سبقت اعتقال مادورو، بما في ذلك اعتقال الرئيس البنمي السابق مانويل نورييغا، ورئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، وجاء اعتقال هذا الأخير بعد فترة وجيزة من انتهاء ولايته الرئاسية. وبالتالي، يمكننا القول إن الولايات المتحدة مارست حقوقها السيادية لإنفاذ قوانينها دفاعاً عن مصلحتها المشروعة في حماية شعبها من الأضرار التي تجرها المخدرات.

لا يمكن لأي نظام قانوني توقُّع جميع الحالات المتصوَّرة لأي فعل غير قانوني. ولا يمكن ذلك إلا إذا كان الفعل مخالفاً لقانون محدد بوضوح وينص أيضاً على عقوبة واضحة ومحددة. ولا ينطبق أي من هذين التحفظين على مفهوم السيادة الوطنية الغامض، ناهيكم بمفهوم القانون الدولي الأكثر غموضاً.

وبقطع النظر عن دعاة الفضيلة وجماعات «اللوم الأميركي» التي تهاجم الولايات المتحدة تباعاً، فإن الحقيقة هي أن القانون الدولي مكشوف تماماً كما كان ساحر «أوز» في نهاية رحلة «دوروثي».

ولعل الوصف الأدق لعملية «العزم المطلق» الأميركية يأتي من بكين بمصطلح «إجراء الهيمنة». وصحيح أن الولايات المتحدة تصرفت كقوة مهيمنة، أي كقوة قادرة على فرض قوانينها على خصومها.

وصف الراحل هوغو تشافيز مادورو بـ«سائق حافلتي». قاد مادورو الحافلة الفنزويلية إلى وادٍ عميق، وجعل من نفسه غرضاً سهلاً للاختطاف. وفنزويلا لا تأسف عليه.

arabstoday

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 20:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 20:20 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مادورو ومفهوم السيادة الغامض مادورو ومفهوم السيادة الغامض



إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - السعودية اليوم

GMT 19:05 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 06:16 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

ضغوط مختلفة تؤثر على معنوياتك أو حماستك

GMT 06:31 2013 الخميس ,14 آذار/ مارس

الفقمة تنام بنصف دماغ فقط

GMT 18:31 2015 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تنفي إقامة حفل في الجزائر

GMT 02:54 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

تباين في إغلاق الأسهم الأميركية

GMT 12:48 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

دي روسي ينتظر حسم مستقبله في نادي روما

GMT 05:14 2015 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

2016 عام المال والعواطف للحمل والسفر والفراق للجوزاء

GMT 17:26 2017 السبت ,27 أيار / مايو

مواعيد عرض مسلسلات "MBC مصر" في رمضان

GMT 14:07 2017 السبت ,05 آب / أغسطس

العبادي يزور محافظة بابل مساء اليوم

GMT 00:58 2017 الثلاثاء ,05 أيلول / سبتمبر

منه فضالي مشغولة مع بوسي في "الحب الحرام"

GMT 05:22 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

لن نتوقف

GMT 02:13 2020 الأحد ,05 كانون الثاني / يناير

6 أفكار ديكور لإخفاء أسلاك الكهرباء بصورة محببة

GMT 15:25 2019 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

هواوي تنشر أول فيديو دعائي لـ matepad pro
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon