الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة
اتحاد جدة يخطط لخطف محمد صلاح بعرض تاريخي يجعله الأعلى أجرا في العالم مدرب البرتغال يدافع عن كريستيانو رونالدو بعد التعادل أمام الكونغو في كأس العالم 2026 هاري كين يقود منتخب إنجلترا لاكتساح كرواتيا برباعية في كأس العالم لكرة القدم 2026 الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يوجه تحذيراً مباشراً لترامب لا تتدخل في الانتخابات الرئاسية البرازيلية إحباط تهريب مخدرات على الحدود السورية اللبنانية وإصابة مهربين خلال اشتباكات مسلحة إسماعيل بقائي يؤكد أن طهران ترفض إخراج اليورانيوم المخصب وتؤكد حقها النووي رغم التفاهم مع واشنطن دونالد ترامب يعلن بقاء القوات الأميركية قرب إيران ومراقبة صارمة لتنفيذ الاتفاق دونالد ترامب يمنح إيران مهلة 60 يوما وينذر بعودة العمليات العسكرية نعيم قاسم يرفض مقترح المناطق التجريبية ويؤكد أن الأمن المتبادل سقف أي تفاوض البرتغال تكتفي بالتعادل أمام الكونغو الديمقراطية في افتتاح مشوارها بالمونديال
أخر الأخبار

الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة!

الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة!

 السعودية اليوم -

الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة

غسان الإمام

كان على الطرف الآخر من الهاتف المقدم حسن شريتح مدير مكتب وزير الداخلية. قال لي بهدوئه المعتاد وصوته الخجول: «هناك أمر عرفي بوقف إصدار (الرأي العام) اعتبارا من هذه الليلة». كنت سكرتيرا لتحرير «الرأي العام». وكان عليّ إبلاغ صاحبها ورئيس تحريرها أحمد عِسَّهْ. فالاستمرار في العمل تلك الليلة من قبيل العبث. فستصادر في الصباح. وتجمع من الأسواق، وهو أمر بالغ التكاليف لصحيفة كانت الأولى في سوريا، من حيث الأهمية. والنفوذ. ومن حيث الانتشار. ترددت حائرا. ثم انتهزت خروج رئيس التحرير من غرفته، لأبلغه قرار جمال عبد الناصر رئيس «الجمهورية العربية المتحدة»، بحجب الصحيفة عن الصدور. تأثر الرجل كثيرا، لكن بدا ثابتا. واكتفى بالقول إن الرئيس لم يكن ليصدر هذا «القرار - الخطأ»، لولا إلحاح وزير الداخلية عبد الحميد السراج عليه. كان ذكاء الصحافي الكبير مرهقا لدولة محدودة الذكاء. فقد أتعبها في القدرة على تفسير غموض كل افتتاحية يكتبها. فأراحت نفسها بالتخلص من الصحيفة، متهمة إياه ضمنا بالعداء للوحدة، وبالدفاع عن مصالح رجال الأعمال السوريين. ولم يكن ذلك مقبولا في دولة جديدة، بدأت تأخذ - لسوء حظ عبد الناصر - منحى اشتراكيا في الاقتصاد، تحت ضغط شركائه ووزرائه البعثيين. لكن عبد الناصر ذا الوعي الشديد بأهمية الصحافة والإعلام، كان رفيقا بأحمد عسه. فقد ألحقه مع سوريين آخرين كتّابا في الصحف المصرية القومية (الحكومية). وكان عسه، في تقديري، لا يقل عن هيكل في التقنية الصحافية، من حيث أسلوب صياغة العناوين والأخبار. لكن في كتابة التعليق، كان تحليليا. غامضا. وجافا. فلم يلقَ الرواج لدى القارئ المصري الذي لقيه لدى القارئ السوري. أما أنا الذي اعتبر ولادة صحيفة، أو موت صحيفة، بمثابة حياة أو موت لي، فقد ألحقت بصحيفة «الوحدة». وهي إحدى صحيفتين أصدرهما عبد الناصر في سوريا. ووضع الصحافة تحت إشراف الوزير السراج. فاختارني السراج رئيسا للقسم الداخلي (المحلي). ونائبا لرئيس التحرير. ثم أمينا عاما لأول نقابة تأسيسية للصحافة تعترف بها الدولة في سوريا. وفي سري، كان عجبي كبيرا. فها هو السراج يشرف على الصحافة. ومعها نقيضها: جهاز الأمن المدني المخيف. ومع أنه كان يتمتع بثقة عبد الناصر التامة، فقد كان كارها لطاقم أصحاب الصحف القدامى (معظمهم معادٍ للوحدة). ولا يؤمن تماما بحرية الصحافة. وعلى قدر علمي ومعرفتي، فلم يحدث أن أدلى السراج في حياته بتصريح، أو حديث. وما لبثت الدولة أن أوقفت أيضا صحيفة «الجماهير» شقيقة «الوحدة» الرسمية. ولم تشفع لرئيس تحريرها الدكتور جمال الأتاسي نزاهتُه. وناصريته البديلة لبعثيته السالفة. فقد كان مثقفا فوضويا. وغير حازم، سواء في ممارسته السياسية أو الصحافية. فحشد في الصحيفة خليطا من الكتاب اليساريين السوريين والمصريين، غير المرغوب بهم لدى الدولة. وأذهلني «الصحافي» عبد الناصر. كان يعيب على ميشيل عفلق وصلاح البيطار عدم قراءة الصحف، فيما تمكن هو من استيعاب نجوم الصحافة المصرية. وكلهم من مدرسة العملاق محمد التابعي، كهيكل. ومصطفى وعلي أمين. وإحسان عبد القدوس. وتسخيرهم لخدمة نظامه ووحدته مع سوريا. وأقام معهم علاقة يومية. وهو يعرف أنهم كارهون له. وللوحدة! وكنت أشعر بذلك من خلال علاقة الزمالة الصحافية بهم. وباستثناء هيكل الذي كان مصريا ناصريا، أولا، ثم... ثم قوميا. عربيا. وحدويا، فقد بلغت الجرأة ببعضهم لسؤالي، عما إذا كانت هناك ثورة على عبد الناصر في سوريا. أو هي في طريقها للثورة عليه! كان السؤال يحرجني. ويضايقني حقا. لكني لم أبلغ السراج، أو المسؤولين المصريين الكبار الذين يزورون سوريا. لعلمي أنهم يعرفون مدى كراهية نجوم الصحافة المصرية وعدائهم للنظام الناصري، بعدما فقدوا مؤسساتهم المؤممة، رغم أن عبد الناصر أبقاهم على رأسها، لمعرفته بمدى جاذبيتهم للقارئ العربي. بل كان يحرص على أن يرافقوه في زياراته الخارجية. وبالذات زياراته المتكررة لسوريا، لاطلاعهم على شعبيته الحقيقية الكبيرة لدى السوريين. كان عبد الناصر «المصري» غير عبد الناصر «السوري». كانت قبضته على مصر قاسية. وكان ليبراليا، على درجة من التسامح في سوريا، سمحت بالمحافظة على جماهيريته لدى السوريين. ورغم السراج، فقد ترك عبد الناصر لأصحاب الصحف السورية حرية إصدار صحفهم، إذا ما طوروها. وزادوا عدد صفحاتها. أمضي في تعريف ثلاثة أجيال عربية بجمهورية الوحدة الناصرية (1958 -1961)، مركزا على دور عبد الحميد السراج. عندما فر الرئيس أديب الشيشكلي أمام حركة انقلابية صغيرة ضده، فقد أنهى ضباط الآيديولوجيا، بمن فيهم السراج، ضباط فرنسا «الكلاسيكيين» الذين تركتهم وراءها. أستطيع أن أرسم صورة سريعة للسراج آنذاك (1954): ضابط عسكري وسيم. رياضي قوي البنية. أشبه بشون كونري أول بطل لمسلسل أفلام المخابراتي جيمس بوند. تولى المقدم السراج رئاسة المكتب الثاني (المخابرات العسكرية) بعد فرار الشيشكلي ابن مدينته حماه. فحسده زملاؤه ضباط الآيديولوجيا. وكرهوه. ولم يستطيعوا الاستغناء عنه. فقد كان مصلحا ومصالحا بينهم. وأحبط كل المحاولات الانقلابية ضدهم. ووضع العهد شبه الديمقراطي (1954 - 1958) تحت رقابته الصارمة. هذه المؤهلات المخابراتية الباهرة لم تكن كافية لترشيح السراج للقيام بدور الرجل رقم (1) لأسباب كثيرة: نفسيا، لم يكن مغامرا. عسكريا، لم يكن يملك كتلة كبيرة منافسة لكتل البعثيين. والشيوعيين. أو حتى للفاشيين السوريين القوميين. أو العلويين. كانت ميول السراج القومية العربية طريقا لنسج علاقة وثيقة مع الرجل رقم (1). مع عبد الناصر أبرز المتنافسين العرب على الفوز بسوريا المضطربة آنذاك. وعندما قامت دولة الوحدة (1958)، كان السراج مرشحا للعب دور تاريخي. لكن عبد الناصر أزاح كل ضباط الآيديولوجيا، بمن فيهم السراج. وخلافا لكل انتقاد يوجه إلى السراج على سلوكه المخابراتي، أشهد بأن الرجل كان على كفاءة إدارية كبيرة. وعندما دب الخلاف بين عبد الناصر والبعثيين، حل السراج محل أكرم الحوراني كنائب لرئيس الجمهورية، وكرئيس للمجلس التنفيذي (رئاسة الحكومة في الإقليم السوري). استغل البعثيون البيروقراط النزاع المتفجر بين السراج والمشير عبد الحكيم عامر، لزرع العصي في عجلة الدولة. كان عامر، كما خبرته، عسكريا طيب القلب. فأوقع طموح ضباطه المحيطين به، بينه وبين عبد الناصر. ثم شجعوه على الانحياز لمطالب تجار الطبقة الوسطى السورية، في تطبيق اقتصاد السوق، فيما كان عبد الناصر يمضي قدما في تطبيق الاقتصاد الماركسي الفاشل في مصر. وأصابني من البعثيين ما أصاب الدولة من «الخلخلة» في عجلاتها. فقد صعد البعثي جلال فاروق الشريف رئيس تحرير «الوحدة» إلى مقر رئاسة الجمهورية، ليضع نفسه والصحيفة تحت تصرف المشير عامر وضد السراج! وعلمت بذلك. وكان من واجبي نقل الخبر إلى السراج. تألم الرجل كثيرا. واستدعاني مع رئيس التحرير. ووبخه بحضوري بغضب شديد، مهددا بإغلاق الصحيفة إذا ما حاول جعلها أداة لتعميق الخلاف، بين أركان الدولة. أَمِن عبد الناصر جانب ضباط الآيديولوجيا. للسخرية، قاد ضباط دمشق الانقلاب عليه وعلى المشير عامر. ثم ندموا. أودعوا في سجن المزة الدكتور ناظم القدسي الذي جاءوا به رئيسا لجمهورية الانفصال. وذهبوا إلى عبد الناصر باكين نادمين، مطالبين باستعادة الوحدة! الواقع أن عبد الناصر ارتكب أخطاء كثيرة. وفي مقدمتها عداؤه للسعودية والأردن. وتحالفه مع نظام البعث الطائفي ضد دول الخليج. ولو أنه أبقى جهاز المخابرات العسكرية في عهدة السراج، لما تمكن العقيد عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب المشير عامر، من قيادة الانقلاب ضده وضد عبد الناصر. خرج السراج من سجن الانفصاليين، ليغادر سوريا نهائيا. عاش السراج في مصر، بصمت مطبق خمسين سنة. ورحل في الأسبوع الماضي عن 91 عاما، حاملا معه إلى قبره أسرار عصر عربي حافل. نشرت «الأهرام» نعي الرجل الذي كان ملء السمع والبصر، في صفحة الوفيات، فيما كان مخابراتي آخر (جامع جامع) يحتل صدر الصحف العربية، بخبر قنصه قتيلا في دير الزور. وبعد، هل كانت دمشق التي يلقبونها بقلب العروبة النابض، تنقلب على عبد الناصر، لو أنها كانت تدري ماذا سيفعله الأسد الأب والابن بها؟ لست أدري!  

arabstoday

GMT 22:18 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

حظر بريطاني تأخر

GMT 22:16 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

صورة النظام الإيراني تعادل تخصيب اليورانيوم

GMT 20:50 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

القرن الأوراسي وإعادة تشكيل العالم

GMT 20:47 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

إيران على مفترق طرق

GMT 20:44 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

منطق الحل

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة الرجل الذي آثر الصمت خمسين سنة



GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 06:02 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 18:45 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

تحقق قفزة نوعية جديدة في حياتك

GMT 08:39 2016 السبت ,19 آذار/ مارس

البحرين يقصي البسيتين من كأس ملك البحرين

GMT 03:42 2020 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

اتصال هاتفي يجمع جوارديولا وبن ناصر

GMT 11:36 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

شفاء 204 حالة من فيروس كورونا في الكويت

GMT 01:00 2013 الجمعة ,30 آب / أغسطس

سيرة دوناتيلا فيرساتشي ستعرض في عمل فني

GMT 16:10 2015 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

اصنعي بنفسك حقيبة صغيرة مزينة بالكريستال

GMT 04:49 2016 الإثنين ,13 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تستخدم لقطات فيديو ضد ترامب

GMT 15:20 2019 السبت ,05 تشرين الأول / أكتوبر

" وصايا" للكاتب عادل عصمت الأكثر مبيعًا بالكتب خان

GMT 13:34 2018 الثلاثاء ,30 كانون الثاني / يناير

Secret wooden house لمحبي الغموض والتجارب الفريدة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon