هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

 السعودية اليوم -

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

درجَ مؤخّراً استخدامُ تعبير «النَّكبة» في وصفِ ما حلّ بجنوبِ لبنانَ ولا يزال يحلّ. والراهنُ أنَّ التَّشبيهَ بالمأساة التي تعرّضت لها فلسطينُ في 1948 قد لا يكونُ مبالَغاً فيه، ليس بردّ المأساتين إلى عواملَ طبيعيّة، وهذا خطأ في الحالتين، بل لتوكيدِ الشَّبه الذي يجمعُ نتائجَهما بأفعالِ الطَّبيعة المدمّرة.

لكنَّ الافتراقَ الكبيرَ إنّما يطال ردّ الفعل على كلّ من النكبتين. فالأولى أحدثت عصفاً مهولاً في المجتمعات العربيّة، لا سيّما مجتمعاتِ المشرق، استثمرتْه الجيوشُ انقلاباتٍٍ عسكريّة، واستثمرته الأحزابُ الراديكاليّة استقطاباً لمحازبين ومؤيّدين، كما صدرتْ حولَها كتبٌ وكتاباتٌ باتت تشكّل جزءاً معتبراً من المكتبة العربيّة. أمَّا النَّكبةُ الحاليّة فتحصل في ظروفٍ بالغةِ الاختلاف في نطاقها العربيّ الأعرض. ذاك أنَّ التحوّلاتِ الضخمة، التي عرفتها مجتمعاتُ المنطقة، على مدى عقود، بسلبيّها وإيجابيّها، أحدثت تغيّرات هائلة في خرائطِها الاجتماعيّة، وفي طموحاتِها واستعداداتها. لكنّ الفارق الآخر، الذي يعنينا هنا، أنَّ الصَّخبَ الذي أطلقته النَّكبةُ الأولى في البلدان التي هبطت عليها أخلى مكانَه لصمتٍ يُفرض على النَّكبة الثانية في بلدها لبنان. فأصحابُ المعاناة المباشرون، المعارضون للحرب، يصعبُ عليهم أن يتكلّموا عنها بما يشوّش على الزجليّات التي تصوّرها ملحمةَ انتصار.

والصمتُ المفروض هذا شهد اختباره الأخير مع «اتّفاق واشنطن» الذي أملاه انهيارٌ مطلق في توازن القوى، موفّراً احتمال أمل غير مضمون بتوقّف الموت ومغادرة الحرب. بيد أنَّ المقاتلَ يرفض أن يُسمع صوت المقتول، وإن كانَ الموضوع المعنيّ يطال حياتَه وموتَه وأملاكَه وتاريخَه الحميم.

وقبل أيّام، ظهر «نداءان» أصدرهما وجوهٌ من مدينتي صور والنبطيّة، أبدوا فيهما رغبتَهم في إخراج المدينتين المنكوبتين من الحرب المدمّرة والمفروضة. وهم، بطبيعة الحال، لم يجبروا أحداً، وليس في وسعهم ذلك، على توقيع «النداءين». إلاَّ أنَّ الموقّعين استفادوا من تراجع قدرة «الحزب» على قتل معارضيه بفعل انشغاله بالحرب، ما وفّر للحرّيّات مناخاً أقلَّ رعونة ممّا عرفته مراحلُ سابقة.

على أيّة حال هطلَ التشهيرُ والتخوينُ على الموقّعين الذين نُزع عنهم انتماؤهم إلى طائفتهم ومنطقتهم.

وجاء السلوك هذا تعبيراً آخر عن نهج الواحديّة الحصريّة في الجنوب اللبنانيّ الذي عُرف، قبل صعود الإسلام السياسيّ المسلّح، بتعدّديّة لم تبلغها أيّة منطقة لبنانيّة. فولاءات السكّان هناك سبق لها أن توزّعت بين أربعة أو خمسة مواقع أهليّة، فضلاً عن أحزاب عقائديّة حديثة، بالقوميّ منها والطبقيّ.

والحال أنَّ الأحزابَ والحركاتِ السياسيّة تلجأ إلى تلك الوسائل حين لا تعود أحزاباً وحركات، لتعادل نفسها حصريّاً بـ«الشعب» أو «الأمّة» أو «الثورة» أو «الطبقة» أو «المقاومة». حينذاك، وقياساً بـ«شرعيّة» يدّعيها «التنظيم» لنفسه، وهو قد يكون يمينيّاً أو يساريّاً، دينيّاً أو علمانيّاً، يصبح كلُّ صوت مخالف لرأيه ممنوعاً من الكلام.

وهذا ما يُبديه تاريخ يمتدّ منذ نوادي اليعاقبة إبَّان الثورةِ الفرنسيّة، إلى الحزب البلشفيّ قبل ترسيخ دولتِه، ومن الأحزاب الفاشيّة والنازيّة في طريقها إلى السلطة، إلى «جبهة التحرير الجزائريّة»، والمجموعات التي التفّت حول الخمينيّة إبّان تظاهرات 1978.

لقد نشرت غاياتري سبيفاك، في الثمانينات، دراسةً أحدثت من الاهتمام والضجيج ما جعلها من الأدبيّات المعروفة بـ«الدراسات ما بعد الاستعماريّة». فالكاتبة، ذاتُ الأصول الهنديّة، تساءلت عمَّا إذا كانَ في وسع المُستَبعدين الأضعف والأشدّ تهميشاً أن يُسمعوا أصواتهم، وأن يُعترف بأصواتهم كشيء ذي مغزى ضمن أنظمة المعرفة والسلطة. فهم إذا تحدّثوا تولَّتِ المؤسّساتُ المسيطرةُ تحريفَ قولِهم أو تحويرَه أو تجاهلَه. ولا ينجو المثقّفون والباحثون من اتّهام سبيفاك، إذ أنَّهم، باسم الدفاع عن التابعين والمضطهَدين، يصادرون تمثيلهم، ويتحدَّثون نيابة عنهم من خلال التأويل والترجمة والانتقاء. وإذ تتناول أحوال النساء وتقليد «الساتي» الهنديّ، أي حرق الأرامل بعد وفاة أزواجهنّ، تستخلص، في عبارة باتت ذائعة، أنَّ «الرّجالَ البيضَ ينقذون النساءَ السمراوات من الرّجال السمر» فحسب.

وهكذا تتحكّم أنظمة السلطة في هذه العمليّة، من خلال الاستعمار والتمثيل والصوت والأرشيف والسلطة الفكريّة...

وكانَ أن خضعت تلك النظريّةُ لانتقاداتٍ عدّة ليس هنا مجال استعراضها. بيد أنَّ النصَّ المذكور، شأن الأدبيّات ما بعد الاستعماريّة عموماً، لا تتوقّف عند عمليّات خنق الصوت وتشويهه حين تصدر عن قوى مناهضة للاستعمار، أو موصوفة هكذا.

وقد عانى العراقيّون إبَّان عهدِ صدّام، والسوريّون إبّان عهدِ الأسد، وشعوبٌ أخرى خارج المشرق، ذاكَ المنع من الكلام تفرضه أنظمةٌ مُدرَجة في خانة العداء للاستعمار. وهذا ما دفع المتتلمذين على «ما بعد الاستعمار» لأن يصمتوا عن خنق أولئك المخنوقين مع أنَّه يجاور الموت أكثر كثيراً من أشكال الخنق الأخرى. ذاك أنَّ ما يصدر عن أميركا وإسرائيلَ هو وحده الذي يستحقّ الشَّجبَ والإدانة، أمَّا ما يصدر عن خصومهما فيستحقّ إدانة الضحايا.

وهكذا نجدُ اليومَ اللبنانيَّ الجنوبيَّ، الذي يقدّمه «حزبُ الله» لقمةً سائغةً للتوحّش الإسرائيليّ، ممنوعاً من أن يتكلّم، وحين يفعلُ يُعاقَب بالقتل المعنويّ اتّهاماً وتشهيراً، دون استبعاد مَا هو أكثر.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon