أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً

أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً!

أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً!

 السعودية اليوم -

أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

لا يخطئ الذين يحذّرون من التسرّع والإفراط في التفاؤل. فاجتماعُ واشنطن «الممهّد للمفاوضات» لا يلغي حقائقَ بارزةً أهمُّها حجمُ الفجوةِ التي تفصلُ المطالبَ اللبنانيّة عن المطالب الإسرائيليّة، وكونُ المطالبِ الأولى تشرط الثانيةَ والعكس بالعكس. وهذا فضلاً عن البون الشَّاسع بين موضع التَّركيز اللبنانيّ (الجلاء ووقف إطلاق النار) وموضعِ التركيز الإسرائيليّ (تجريد «حزب الله» من سلاحه). وبالنَّظر إلى الاختلال الكامل في ميزان القوى، تلوحُ الصورةُ الورديَّة تبسيطيّة ودعائيّة، تضخّم أمانيها الذاتيّة بما يحجب تعقيد الواقع وانقسامات أطرافه. وبدوره يأتي وقف إطلاق النار لعشرة أيّام دليلاً آخر على ذاك التعقيد الذي ينبئ بمحدوديّة الإنجاز كمَا يحضُّ على أولويّة العمل والمبادرة الشجاعة أكثر كثيراً ممّا يحضّ على الراحة وغسل اليدين.

فالأمرُ ليس انتقالاً من جحيم إلى نعيم، سيّما في ظلّ تردّد الدولةِ في أداء ما يتوجّبُ عليها لجهةِ حصر السلاح، وكون الطرفِ الوحيد المؤهّل للجمِ الفارق في ميزان القوى، أي الولايات المتّحدة، طرفاً خارجيّاً لا يملك اللبنانيّون، بطبيعة الحال، أيّاً من أدوات الضغط عليه أو التأثير فيه.

في المقابل، لم يخطئ الذين قالوا إنَّ اجتماعَ واشنطن وما قد يعقبه من تفاوضٍ هو الخيار الوحيد المتاح للبنان اليوم. والأمرُ يندرج في الحسابات الباردة، لا في العواطف التي قد تقود بعضاً إلى الهيام بإسرائيلَ، فيما تقود بعضاً آخرَ إلى رفض التحدّث إليها.

فاستبعاد مبدأ التسوية، مهما جاءت مختلّة تبعاً لميزان القوى المختلّ، لا يعيد الأرض المحتلّة ولا يردّ السكّان إليها، تاركاً اللبنانيّين أسرى الوهم الدمويّ المكلف المسمّى «مقاومة»، ومضاعفاً مساحة الأرض المحتلّة وأعداد السكّان النازحين ومعاناتهم.

ولبنانُ، المصاب بالوهن والإنهاك والفقر وتصدّع علاقاته الأهليّة وانسداد الأفق في وجهه، لا يملك ترفَ الانتظار وتجريب ما جُرّب مرّاتٍ عدّة في السابق. كما أنّه ليس أوّل بلدٍ عربيّ يغادر حلبةَ الصّراع مع الدولة العبريّة، طامحاً إلى التحوّل بلداً ودولةً عاديّين.

والعاديّة، في هذا المعنى، هي أن يكونَ للبلد سلطةً واحدةً موحّدة، تتبع قواعد ومعايير قابلة للتكهّن، وفيها تعمل السياسة بطريقة أقرب إلى الروتينيّة، فيما لا تهيمن على حياتها الأزمات أو الاغتيالات أو المهمّات التاريخيّة الكبرى أو مخاطر الحروب.

والحال أنّ الرغبة العارمة هذه في العبور إلى العاديّة، وإلى ما بعد العنف، هي التي وفّرت استقبالاً مُرحّباً لاجتماع واشنطن، فلم ينفجر في وجهه أيّ «غضب جماهيريّ مُزلزل» غالباً ما أتحفتنا به، أو هدّدتنا به، لغة سياسيّة رثّة.

ولئن دفعت بلدان المنطقة كلّها أثماناً باهظة للحروب، فلبنان دفع أكثر كثيراً ممّا يستطيع، وممّا يملك، نتيجة انتزاع قراره منه وإلحاقه بقرار آخر غالباً ما تمتّع بقوّة الفيتو على سيادته. فلطالما وُضعت أمّة أسطوريّة في مواجهة دولته الواقعيّة، تماماً كما وُضعت قضيّةٌ ما في مواجهة قضيّة اللبنانيّين في أن يكونوا بلداً عاديّاً...

وهكذا فـ«أنْ تكونَ لبنانيّاً» صارت لا تعنِي إلاّ أن تكونَ في حرب، أو داخلاً فيها، أو خارجاً منها للتوّ، أي أن لا تكون مواطناً عاديّاً في بلد عاديّ.

وكان من أكثر ما يعيق عاديّةَ لبنانَ وجودُ قطبٍ كبير في المنطقة يختار أن لا يكون عاديّاً. فهذه كانتِ الحالَ مع مصرَ الناصريّة وسوريّة الأسديّة وإيرانَ الخمينيّة التي قادتها نوازعُها التدخّليّة إلى جرّ بلدانها وكلّ مَن قلّدها وتأثّر بها إلى المآسي.

والراهنُ أنّ ما يلازم هذا التأثّر شيوع وعي ملحميّ وبطوليّ لم يكفّ، منذ عمليّة 7 أكتوبر، عن استعراض نفسه، واضعاً المجد هدفاً له بدلاً من السعادة، وغيرَ العاديّ بدلاً من العاديّ. وإذ ننظر اليوم إلى غزّة وإلى لبنانَ وإيران نفسها لا نجد من المجد إلاّ أقلّ القليل الذي نجده من السعادة.

وبدوره يتحوّلُ الوعيُ البطوليّ الذي يعجز عن استيعاب ما يجري حوله، وعن اللحاق به، إلى مادّة هزليّة، تماماً كما كانتِ الحال مع دون كيشوت، بطل سرفانتس. فهو قلّد واعياً أبطال الفروسيّة في العصور الوسطى الآفلة، فحاربَ طواحين الهواء ظانّاً أنّها عمالقة، ولاحت له علامات التعب والقذارة علامات عظمة واحتفال، كما رأى النَزْل الصغير قلعة باهرة، وصاحب النزل لورداً، والفلاّح البائس واحداً من النبلاء.

وانقلابُ الوعي البطوليّ إلى مهزلة رأينا شيئاً منه قبلَ أيّام قليلة، حين أُطلقتْ في ضاحية بيروتَ الجنوبيّة قذائف «بي 7» و«آر بي جي» احتفالاً بوثيقة تؤكّد على «حقّ إسرائيلَ في الدفاع عن النفس»، وتضمنُ لهَا حقّاً مطلقاً في «مواجهة أيّة هجّمات مخطّطةٍ أو وشيكة أو جارية»، نافيةً أن يكون لبنان وإسرائيل «في حالة حرب».

وأكثريّةُ اللبنانيّين اليومَ تطلبُ العاديّةَ بديلاً عن بطوليّة تكلّف الكثير قبل أن تنقلب إلى كوميديا. فهي تريد، وإن كانَ لا يُستهان بالصعوبات، أن تستعيدَ بلدَها المعذّب والمخطوف بقوّة السلاح وأفكار البطولة الرثّة والأنظمة القويّة على شعوبها وعلى اللبنانيّين.

arabstoday

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 20:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 20:20 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً أن يكونَ لبنان بلداً عاديّاً



صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي - السعودية اليوم

GMT 05:34 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
 السعودية اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 19:29 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز اهتمامات الصحف الفلسطينية الصادرة الاثنين

GMT 18:53 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر سيارة هوندا بايلوت موديل 2018

GMT 02:19 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

جوجل تطلق تحديث جديد لتطبيق Google Photos

GMT 19:53 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الهلال يكشف اسباب صعوبة ديربي جدة

GMT 17:04 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

رياض محرز ينقطع عن ليستر لأجل غير مسمى

GMT 10:41 2014 الإثنين ,17 شباط / فبراير

عطر "هيرا" يغمر شعرك بالحماية والترطيب

GMT 13:56 2014 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

مانولو بلانيك في أسبوع "نيويورك"

GMT 21:31 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

سميحة أيوب تحل ضيفة على مشروع "الملهم"

GMT 13:02 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة سهلة لإعداد بسكويت جوز الهند الهش

GMT 05:03 2014 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

العطس داخل الطائرات يتسبب في انتشار الأمراض المعدية

GMT 09:41 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

مواد بناء بديلة من المخلفات أوائل 2013 في مصر

GMT 07:09 2017 الأحد ,22 كانون الثاني / يناير

نادي الطائي يعيد نغمة الفرح لرياضيي حائل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon