في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

 السعودية اليوم -

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

هناك أصوات لبنانيّة، لا تصدر بالضرورة عن مواقع متطابقة، تحذّر المفاوض اللبنانيّ من الذهاب إلى الحدّ الأقصى، مؤكّدة انحيازها الحاسم للتوقّف عند الحدّ الأدنى.

وقد تكون هناك أسباب وجيهة في هذه الحجج، لكنّ أضعف ما فيها ضعف اكتراثها بتوازن القوى القائم مع إسرائيل التي تحتلّ أراضي لبنانيّة لم تعد ضئيلة وقد تتزايد. وواقعيّاً، ما دامت السلطة اللبنانيّة عاجزة عن نزع سلاح «حزب الله»، فلن يفعل ضعفها سوى الإمعان في إضعاف موقع لبنان التفاوضيّ، دافعاً الإسرائيليّين إلى مضاعفة شروطهم وابتزازهم، علماً بأنّ ما من طرف يستطيع الضغط عليهم سوى حليفهم الوثيق، الولايات المتّحدة.

والواقعيّة هنا ليست الرضوخ لكلّ ما ينضح به الواقع، بل التعامل معه من داخل الإمكانات التي يوفّرها، لأنّ العكس تورّط في مغامرات إراديّة غير مسؤولة. ولنا في تجربة رئيس الحكومة نوّاف سلام عبرة، هو الذي انتقل من قاضٍ يشارك في محاكمة إسرائيل إلى رئيس حكومة يشارك، مع رئيس الجمهوريّة، في الإشراف على مفاوضتها. والدلالة الرمزيّة، هنا، صارخة في شهادتها لحركة الواقع ووطأة المسؤوليّة.

والأوهام تذهب بنا بعيداً متى تخيّلنا احتمال تقبّل الدولة العبريّة المطالب اللبنانيّة كما لو أنّها الطرف المهزوم أمام لبنان! فالاكتفاء بالعودة إلى اتّفاق الهدنة، مثلاً لا حصراً، لن يكون مقبولاً بتاتاً لسبب يراه الإسرائيليّون وجيهاً. ذاك أنّ الهدنة، وكما أشار غير مُراقب، كان معمولاً بها حين ظهرت المقاومة الفلسطينيّة وتعاظم حضورها العسكريّ، وهذا قبل أن ينشأ «حزب الله» ويصير ما صاره.

أمّا التعويل على «حوار داخليّ» مع الحزب لنزع سلاحه، فهو ما تكفي معرفة قليلة حصّلتْها تجارب كثيرة لإدراك أنّه حرث في بحر. فمتى شئنا لهذا «الحوار» أن يواكب التفاوض كنّا كمن يُدخل كرة نار في مرمانا.

والأهمّ أنّ تلك الاقتراحات تستأنف تقليداً عرفناه في تاريخ أحزابنا العقائديّة، وهو وضع تصوّر يراد له أن يطابق «الصواب» مع أنّه يجافي تكوين المجتمع المعنيّ وتاريخه.

ففي لبنان كتلة كبيرة من السكّان، ليست حفنة صغيرة من العملاء، ولا هي هامشيّة في قيام البلد وتشكّله، لا تريد الخروج من حالة الحرب فحسب، بل الخروج من ثقافة الحرب أيضاً.

ذاك أنّ الثقافة هذه حرمت الكتلة المذكورة حقّها في التمتّع بقرار حرّ يطال حياتها وموت أبنائها. فمنذ الخمسينات، وخصوصاً الستينات، تُجرّ الكتلة هذه، غصباً عنها، إلى الحالة الحربيّة التي وُصف رفضها بالخيانة لأنّ الصراع مع إسرائيل بدا، جدّيّاً كان أم ذرائعيّاً، أهمّ مصادر التخوين. فما إن تُذكر «القضيّة» حتّى يطيب حمل السلاح للراغبين في حمله لأسباب شتّى، بينما يُرسم المتحفّظون طابوراً خامساً من المتربّصين.

وهذا سجلٌّ دمويّ شهير استجرّ حروباً أهليّة واجتياحات إسرائيليّة ووصاية سوريّة وتحكّماً إيرانيّاً، وشهد معساً متواصلاً لإرادة الذين شاءوا العيش في بلادهم كما لو أنّها بلادهم.

ولئن لجأ بعض هؤلاء، بأقدار متفاوتة من الخفّة، إلى غزل رديء بإسرائيل، بقي أنّ سلوكهم يشبه ضربة ارتداديّة تكتسب قوّتها من قوّة الضربات القاتلة التي سبق أن تلقّتها.

هكذا باتت الحرب الحاليّة مناسبة لانفجار الخلاف حول كلّ شيء تقريباً ممّا انطوى عليه تاريخ الإلحاق والتبعيّة. وأهمّ محاور ذاك الخلاف أن تكون طريق الخروج من الحرب طريقاً لا عودة معها إلى الحروب. أمّا ما يكفل ذلك فهو وحده الجيّد، وأمّا ما يجافيه فهو السيّئ.

وهذا الرفض الجذريّ للحرب، وذاك الإقفال المُحكم لمساربها، إنّما يُفترض بهما أن يلبّيا طموح الجماعات اللبنانيّة الأخرى ورغباتها، لا سيّما منها الأشدّ تضرّراً من الحرب، شريطة تحرّرها من استيلاء «حزب الله» على وعيها. وهذا ما يجعل الصراع ضدّ الحرب صراعاً لنصرة العقل والعقلانيّة والتحرّر.

أمّا الردّ بأنّ إسرائيل سوف تنفّذ أجندة إجراميّة بغضّ النظر عن توفير الأمن لها أو عدمه، وبغضّ النظر عمّا نفعل أو لا نفعل، فيدحضه كمٌّ من الحقائق التي تقول إنّ في الوسع دائماً قطع الطريق على ذرائع الجريمة الإسرائيليّة. ومؤخّراً، وفي تحقيق صحافيّ، دلّنا الزميل والروائيّ محمّد أبي سمرا على أنّ قرى العرقوب المختلطة طائفيّاً تجنّبت مصير القرى والبلدات الجنوبيّة البائس. والشيء نفسه يقال عن القرى المسيحيّة التي سلمت لأنّها، مثلها مثل العرقوب، لم يستطع الحزب أن يشقّ الأنفاق تحتها ويطلق الصواريخ منها.

وهكذا فإنّ على الديبلوماسيّة اللبنانيّة أن تأخذ في اعتبارها، والحال هذه، جميع حساسيّات المجتمع المتصدّع. أمّا أكثر ما ينبغي التنبيه إليه هو أنّ التعامل مع وحدة البلد كشيء مسلّم به، وإخضاع هذه الوحدة لتأويل واحد ووحيد، لم يعودا مضمونين. فهنا باتت تكمن المسألة الكبرى التي يجب ألاّ يتجاهلها من يريد لهذا البلد أن يبقى بلداً موحّداً. والحال أنّه إذا كانت أكلاف التقسيم وصعوباته كبيرة جدّاً، فإنّ ما انتهينا إليه، بعد هذه الحرب، يقول إنّ أكلاف التوحيد وصعوباته تغدو، وعلى نحو متسارع، أكبر.

 

arabstoday

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 21:26 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 21:21 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 21:10 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 21:08 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 21:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 21:02 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات



GMT 21:38 2018 الأحد ,12 آب / أغسطس

ياسمين رئيس بفستان من توقيع مرمر حليم

GMT 20:28 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

مصطفى قمر يشارك في بطولة "بورصة مصر"

GMT 18:25 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أردوغان يتعهَّد باستئصال بقايا تنظيم "داعش" من سورية

GMT 05:41 2015 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

ع، ويتصدر الأهلي السعودي الترتيب

GMT 09:01 2020 السبت ,16 أيار / مايو

تفاصيل الاعتداء على عمرو وردة في اليونان

GMT 05:15 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

أمل عرفة تستعد للسفر إلى الإمارات لحضور مهرجان الفجيرة

GMT 09:31 2019 السبت ,17 آب / أغسطس

صور شبه عارية لفنانة لبنانية تثير الجدل

GMT 16:52 2019 السبت ,06 تموز / يوليو

طُرق سهلة تُساعدك على خفض ضغط الدم المرتفع
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon