أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى الجحيم

أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى... الجحيم

أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى... الجحيم

 السعودية اليوم -

أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى الجحيم

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

لا تخطئ العين التقاط فارق هائل، يتكرّر ظهوره بلا توقّف، بين مشهدين: من جهة، ما تنقله صورة الاحتفالات التي تقيمها أحزاب مسمّاة عقائديّة أو علمانيّة تستعيد ذكرى ما، أو تكرّم مؤسّساً أو قائداً ما. ومن جهة أخرى، ما تحمله صورة الاحتفالات أو التجمّعات التي تدعو إليها أحزاب تعبّر عن دين أو طائفة أو إثنيّة بعينها، تكريماً لمناسبة تتّصل بالجماعة، أو لقياديّ من قادتها أو قتيل من قتلاها.

في الصورة الأولى نقع على عدد قليل من الأفراد تستوعبهم قاعة واحدة، وغالباً ما يبدون مبعثرين فيها، ينتمون في أكثريّتهم الساحقة إلى أعمار تتجاوز الستين.

في الصورة الثانية يطالعنا عدد ضخم، تقرّر المناسبة ومدى الحشد الذي تستدعيه ضخامتها. والأهمّ أنّ الجمهور هنا شابّ في أغلبيّته الساحقة، بحيث لا يُترك للمسنّين سوى صفّين أماميّين في قاعات الاحتفال المكتظّة أو ملاعبه وساحاته. فوق هذا يبدو الحضور النسائيّ في هذه الأحزاب الأخيرة، وعلى رغم أنّ بعضها يضنّ على النساء بمواقع قياديّة، أكثر كثيراً منه في أحزاب الصورة الأولى التي تدعو إلى «تحرير المرأة».

تقول لنا هاتان الصورتان، فضلاً عمّا نعرفه أو نتوقّعه، وعمّا يرشح، بين فينة وأخرى، من أرقام ومعلومات، إنّ الأحزاب الموصوفة بالعقائديّة (قوميّة، يساريّة، علمانيّة إلخ.) تواجه تحدّي النهاية وبؤس المصير. أمّا الكلام الذي تردّده فليس من أثر فيه للزمن، أو للأحداث التي تشكّل مضامين الزمن. فهو بارد وأقرب إلى كليشيهات تكراريّة رُدّدت ألف مرّة في ألف ظرف سابق. وقد يقول قائل إنّ أحزاب الهويّات تبثّ كلاماً أكثر قدماً وعتقاً لكنّ هذا لا يعيق نموّها وتوسّعها. وهو اعتراض صحيح، إلاّ أنّ ما يُضعف صحّته كون أحزاب الهويّة لا تحتاج إلى أيّ قول يتعدّى إعلانها أنّها أحزاب هويّة. فهي تنظيمات تلقائيّة أو آليّة تستمدّ دورها وقوّتها من الجماعة التي تنتمي إليها وتعبّر، أو تزعم أنّها تعبّر، عن مصالحها.

لهذا تضعف الأحزاب العقائديّة من جرّاء تراجع القراءة، بغضّ النظر عن نوعيّة المادّة المقروءة، إذ الكتاب والجريدة هما، في حالتها، من أبرز أدوات التعريف بالحزب واستقطاب المحازبين. وهذا بينما تحتلّ القراءة في حالة أحزاب الهويّة موقعاً لا يكاد يُذكر، فيما المادّة المقروءة تنتسب في أكثرها إلى ما يعتبره الهويّاتيّون تراثاً لهم. فالقراءة، هنا، أقرب إلى الصلاة التي يعاود المؤمن سماعها رغم أنّه يحفظ كلماتها عن ظهر قلب. ولربّما جاز الظنّ أنّ هذه الأخيرة تستعيض بوسائل التواصل الاجتماعيّ عمّا تسمّيه الأحزاب العقائديّة مادّة تثقيفيّة.

والراهن أنّ الأحزاب العقائديّة تعاني الضمور الذي يقارب الاندثار بفعل الزمن وما يسجّله من احتدام الهويّات، وهو بالضبط ما يشكّل الحالة المثلى لأحزاب الهويّة غير المعدّة أصلاً لتحوّلات الزمن وقضاياه. فالكون والتاريخ، في عرفها، طائفيّان أو إثنيّان فحسب، ما يجعل الزمن والتحوّلات لزوم ما لا يلزم.

والحال أنّ مشكلة الحزبيّة، بالمعنى الحديث للكلمة، لا تقتصر على منطقتنا. فالمجتمعات الغربيّة المتقدّمة تعاني هي أيضاً ضموراً في الانتساب إلى الأحزاب مقابل التوسّع الذي تحصده التجمّعات الشعبويّة على أنواعها. وقد يُردّ هذا التطوّر إلى انتكاس الحداثة والتنوير، من غير أن ينوب هذا التعيين الفضفاض عن تحديد مسؤوليّة تلك الأحزاب عن أزمتها. لكنْ في الحالات كافّة لم يتبقّ من وسائل كبح الصعود الصارخ للشعبويّات الهويّاتيّة سوى الامتناع عن الائتلاف معها لتشكيل أكثريّات حاكمة. بيد أنّ النجاح هنا لا يبدو مضموناً، خصوصاً أنّ تلك المقاطعة انكسرت في بلد كفنلندا، وقد تنكسر في سواها.

يبقى أنّ تراجع الحزبية في المشرق العربيّ وتراجعها في الغرب تجمع بينهما قواسم مشتركة، كما تميّز بعض الاختلافات واحدهما عن الآخر. فإذا كانت النخبويّة الفائضة والابتعاد عن هموم فعليّة للسكّان وتضخّم الهجرات وتفريع الصناعة أبرز الهدايا التي قدّمتها الأحزاب البرلمانيّة للأحزاب الشعبويّة في الغرب، فالهدايا عندنا تتمثّل في الالتحاق بحركات الهويّة، خصوصاً منها أحزاب الإسلام السياسيّ. ذاك أنّ حجّة «التحرّر الوطنيّ ومكافحة الصهيونيّة والإمبرياليّة» جعلت قوى قوميّة ويساريّة مجرّد ملحقات بالأحزاب المذكورة. فالشيوعيّون اللبنانيّون، مثلاً لا حصراً، لا يزالون ينفون عن «حزب الله» ومتفرّعاته قتل شيوعيّين، مثقّفين وغير مثقّفين. والالتحاق هذا أقام في جينات الأحزاب منذ حلّ الشيوعيّون المصريّون أنفسهم نزولاً عند طلب عبد الناصر، ثمّ انضوى رفاقهم السوريّون والعراقيّون في «الجبهات الوطنيّة والتقدّميّة» للبعثيّين. أمّا في حالات القمع الصريح، كما حصل في عراق صدّام، فتبقى قابليّة الأحزاب للاندثار، أو ما يقاربه، أعلى بلا قياس من قابليّة الطوائف والإثنيّات.

وبدوره يلوح الغزل بإيران الخمينيّة، التي ارتكبت الفظائع بالشيوعيّين والقوميّين والوطنيّين الإيرانيّين، فيما كانت «تتصدّى للإمبرياليّة والصهيونيّة»، نقطة الذروة في تطبيق النهج هذا.

أمّا في بلد آخر هو لبنان فجهدت تلك الأحزاب (المتمتّعة بحرّيّة العمل وغير المقموعة أو المدعوّة للذوبان في أيّة جبهة)، في مكافحة «نظام طائفيّ» لم تفعل إطاحته سوى جعل الطائفيّة تنتشر انتشار الهواء.

 

arabstoday

GMT 19:44 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أخطار الحرب الإيرانية خليجيّاً

GMT 19:42 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

عناصر الفشل

GMT 19:40 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

نار لبنانية من دون تدفئة

GMT 19:37 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

إيران وبعض أسئلة النزوع الإمبراطوري

GMT 19:35 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

حرب أهلية تهدد أميركا ترمب

GMT 19:32 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

الانتقال من اقتصاد الشركات إلى اقتصاد السلع

GMT 19:16 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

معركة الرئاسة في الوفد

GMT 19:13 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

يوسف شاهين ومحمود مرسي.. «ماذا لو»؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى الجحيم أحزاب الهبوط إلى الهاوية وأحزاب الصعود إلى الجحيم



نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق
 السعودية اليوم - ترمب يحذر إيران من هجوم أشد في حال عدم التوصل إلى اتفاق

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
 السعودية اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 12:13 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

العراق يشترى 30 ألف طن من الأرز فى مناقصة

GMT 22:45 2015 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

فوائد الردة لتنشيط الدورة الدموية

GMT 04:37 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

نتانياهو يؤكد أنه لن يستقيل في حال اتهامه بقضايا فساد

GMT 03:28 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطات الإثيوبية تفتح مخيمات إجبارية لإعادة تأهيل الشباب

GMT 09:23 2018 الثلاثاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

نادي أحد يحتفل بعودة إسلام سراج للتدريبات

GMT 03:27 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

الغيرة عند أبنائك وكيفية علاجها

GMT 18:27 2018 السبت ,28 تموز / يوليو

جفاف المشاعر بين الزوجين يدمر البيوت

GMT 16:56 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

الحاج علي يعلن برنامج معرض القاهرة للكتاب 15 كانون الثاني

GMT 19:36 2017 الجمعة ,15 كانون الأول / ديسمبر

الإعلامية رشا نبيل تخصص حلقة "كلام تاني" للتضامن مع القدس

GMT 03:48 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

طاهٍ أردني يُسطّر قصة نجاحه في مطعم محمية عجلون

GMT 05:42 2017 الخميس ,26 تشرين الأول / أكتوبر

طليق سمية الخشاب يُطارد أحمد سعد بعد حفلة زواجه

GMT 20:57 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار جديدة ورائعه لمدخل المنزل لديكور عصري أنيق ‏

GMT 06:14 2016 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

دعم شرفي لفريق نادي "هجر" قبل لقاء "الدوحة"

GMT 05:50 2016 السبت ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

عن ترامب وبقية شعبويّي الغرب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon