انتصار نتنياهو وهزيمته

انتصار نتنياهو وهزيمته...

انتصار نتنياهو وهزيمته...

 السعودية اليوم -

انتصار نتنياهو وهزيمته

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

بين مشاكله الكثيرة، ربّما كانت مشكلة نتنياهو الأكبر إيمانه بحلّ الأزمات والصراعات مرّةً وإلى الأبد. والحال أنّ ما من شيء يُحلّ مرّة وإلى الأبد. أمّا الثوريّون، المؤمنون منهم والملاحدة، فهم وحدهم من يعتقدون بإمكانيّة كهذه.

والثوريّة، في هذا الاستخدام، لا تملك أيّة حمولة إيجابيّة من النوع الذي لطالما أُسبغ عليها. فالمقصود بالتعبير، هنا، خمسة معانٍ:

- الانقلاب الشامل على معطيات تكوينيّة صلبة، كالأرض والسكّان.

- وافتراض مصادرة الزمن، لا سيّما المستقبل، ولكنْ أيضاً الماضي، من خلال فعل إراديّ.

- والاستهانة بالكلفة الإنسانيّة والاقتصاديّة والمعنويّة التي يتطلّبها مشروع هيوليّ كهذا، واعتبارها أقلّ من كلفة الحلول السياسيّة والدبلوماسيّة.

- واستبطان صورة تستلهم الفضيلة من ماضٍ ما، ماضٍ يصفه محبّذوه بأنّه كان أكثر تعبيراً عن واقع الحال أو أكثر عدلاً أو أكثر امتلاكاً للقوّة. والماضي، في هذه الحال، هو زمن التمدّد الاستعماريّ والاستيطانيّ.

- والظنّ بأنّ اجتراح العمل الثوريّ يُدخل صاحبه التاريخ من أبواب عريضة، ويطرد سواه منه بإحالته إلى «مزبلته» أو مكان من هذا القبيل.

ورؤية العالم بهذه العدسة الصافية التي لا يتخلّلها لونٌ وسيط بين ألون حادّة، تُبعد إمكانيّة المغامرة ودخول التجربة التي لم تُحسم نتائجها سلفاً، وتلغي الرهان على تحوّلات بطيئة قد تفيد في آخر المطاف، أو على إجراء تغييرات ذاتيّة ربّما حسّنت العلاقة باللاعبين الآخرين.

فالمشكلة، تبعاً للثوريّ، ليست ما يظهر على السطح، بل هي نتاج نظام بأكمله، نظامٍ شيطانيّ عند المؤمن، ورأسماليّ أو رجعيّ أو غير ذلك عند غير المؤمن. وبالتالي هناك «جذر» لا بدّ من استئصاله بدل الاكتفاء بتشذيب الأغصان. وهكذا فإنّ المشكلة لا يحلّها إلاّ إحداث قطع في التاريخ، وما التاريخ نفسه، في آخر الأمر، إلاّ جملة قطائع.

أمّا من يتوهّم حلّ المشاكل بالتسوية فلا يدرك، بحسب الثوريّ، أنّه يعيد صناعتها بأشكال أخرى. هكذا تكتسب أوصاف كـ«تسوويّ» و«إصلاحيّ» ومُحبّ لـ«أنصاف الحلول» مضامين رديئة، إذ تعجز عن أن تزيل الغموض والحيرة والتلبّد واختلاط الأشياء. فإذا كان ضعفه الحاليّ ما يمنعه من اجتثاث تلك «العوارض»، ويدفعه إلى القبول بحلول مرحليّة، فهو سـ«يحسم الأمر» بمجرّد أن يقوى ويتمكّن.

ونزعة «الحسم» الجذريّ حيال الشرّ أو الخطيئة أو الانحراف أو الخطأ، هي الأمّ الولاّدة للقتل والاستئصال، وصولاً إلى أفكار جهنّميّة كـ«الحلّ النهائيّ» والغولاغ والإبادة، وهذا من مستلزمات كلّ وعي أقصى، يمينيّاً كان أم يساريّاً، دينيّاً أم ملحداً.

وبعد فظاعة «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد»، والانفجار الثوريّ الإسلاميّ والإيرانيّ المدمّر، اختار نتنياهو المداواة بالداء نفسه، أي إنهاء المشكلة مرّة وإلى الأبد، متجاوزاً حقّ الدفاع عن النفس ضدّ «حماس» و«حزب الله» وأضرابهما إلى عمل إباديّ يجتاح في طريقه كلّ شيء حيّ. فالقتال يُخاض على الجبهات جميعاً، بينما السياسة مُقصاة ومُستبعَدة، وهو شخصيّاً لا رغبة لديه ولا مصلحة في التسويات. هكذا وجد التقليدُ القوميّ الجابوتنسكيّ ما يعزّزه في التكوين الشخصيّ والحسابات الانتخابيّة وتفادي المعضلات القانونيّة، بحيث لا تكون الحصيلة أقلّ من كارثة محضة. وليس هناك ما يستحضر الفهمَ الرؤيويّ للعالم أكثر من الكوارث التي يُقترح المزيد منها علاجاً للكوارث، فيتراءى أنّ أمن إسرائيل، بحسب أحد المراقبين، لا يقوم إلا على لا أمن المنطقة.

وإذا كان الثوريّ يشتهي الوضع الثوريّ ويدفع نحو إنضاجه، فهذا ما يفسّر التذبذب الذي يطرأ أحياناً على التحالف الصلب مع إدارة ترمب التي تفتقر إلى تماسك نتنياهو إنضاجاً للوضع الثوريّ ثمّ حسماً ثوريّاً له.

لكنّ شموليّة الكوارث واتّساعها يعنيان أنّ الدمار الذاتيّ مرشّح لأن يلي التدمير. وقد وثّقت المصوّرة الإسرائيليّة نوغا كالينسكي بالكاميرا أعمال التخريب والتحريق ممّا أنزله المستوطنون اليهود، وهم حلفاء نتنياهو، بأراضي القرى الفلسطينيّة وبيوتها. فحين تحدّثت إليها «هآرتس» عن تجربتها وصُوَرها قالت: هو «رعبٌ مُطلق. ما إن يندلع حريقٌ حتّى يفلت من السيطرة، ولذا أراه تهديداً وجوديّاً، بل أخطر من (حماس). سوف يُوجَّه هذا الحريق في نهاية المطاف ليس فقط ضدّ الفلسطينيّين، بل ضدّنا نحن الإسرائيليّين أيضاً، أوّلاً ضدّ مَن يُوصَفون بازدراء بـ(الفوضويّين)، ثمّ ضدّ كلّ مَن لا يتماشى مع رؤية عامّة متعصّبة ومسيحانيّة. لقد أحرق هذا العنف روحي».

وفي الفيلم الرائع «سيكون هناك دم» لمخرجه بول توماس أندرسون، تُروى قصّة دانيال بلينفيو، وهو رجل أعمال في صناعة النفط، مهووس بالسيطرة، حقّق انتصاراً كاملاً وضخماً على منافسه الواعظ إيلي صنداي. هكذا استدرج الأوّلُ الثاني إلى قصره وأذلّه ثمّ قتله، معتبراً أنّه بجريمته هذه لبّى رغبته الثمينة وختمَ القصّة أو بلغ نهايتها. لكنّ بلينفيو المنتصر عاش وحيداً في القصر، وتحوّل إلى مدمن كحول، غارق في جنون عظمته وكراهيته الآخرين. فانتصاره هو نفسه ختام قصّته وبلوغه نهاية طريقه الإنسانيّ. هنا، معه ومع نتنياهو، يغدو الانتصار والهزيمة شيئاً واحداً.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انتصار نتنياهو وهزيمته انتصار نتنياهو وهزيمته



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon