هذا الموت البطيء

هذا الموت البطيء

هذا الموت البطيء

 السعودية اليوم -

هذا الموت البطيء

غسان شربل

كان العشاء بطيئاً ومسموماً. هذه مهمة الأصدقاء. يسكبون اليأس في صحنك، والحبر في روحك. تحدثوا عن المدينة كمن يتحدث عن جد مريض يتحشرج. وعن الخريطة ككذبة لم تعد تنطلي على أحد. وعن التعايش كفستان تمزق ويستحيل رتق نسيجه. قبل وليمة الزجاج المطحون استوقفني رجل في المقهى المجاور. قال إنه قرأ ما كتبته من برلين عن اللاجئين وما كابدوه في قوارب الموت واتهمني بالمبالغة. قال إن أوضاعهم أفضل بكثير من أوضاع مَنْ بقوا في أرضهم وأن عذاباتهم أقل. قال إنهم محظوظون لأنهم ألقوا بأنفسهم في حضن دولة لها حدود ومؤسسات وتعيش في ظل القانون. كشف أنه تمنى لو كان أولاده بينهم لأنهم قد لا يجدون مكاناً يوم يحين موعد رحيلهم. شدّد على أن منطقة الشرق الأوسط لا تصلح للسكن، وأن المواطن فيها يحسد اللاجئ في قارة أخرى.

أزور بيروت وأندم، ثم أكرر أخطائي. المدن إدمان وليس من عادة المدمن أن يتعلّم ويقلع. عدت إلى البيت بعد منتصف الليل. خرجتُ إلى الشرفة. تمنيتُ أن أدحض حجج الأصدقاء، وأن أثبت ضلوعهم في اليأس عن سابق تصور وتصميم. وأن أتهمهم بالمبالغة. فشلت. لازمني شعور بأن المدينة تموت ببطء ولو غابت المدافع. وحين تموت العاصمة تموت البلاد.

تذكرتُ المشاعر التي انتابتني قبل شهور، قبيل منتصف الليل في المنطقة الخضراء في بغداد. هاجمني يومها شعور بأن عاصمة الرشيد تسعل دماً، وبأن الموت يقضم أطرافها وروحها، وبأنها ليست المدينة التي قلنا إنها ستنهض إذا رحل المستبد. ما سمعته من رئيسَي الجمهورية والحكومة لم يكن كافياً لتبديد مخاوفي وانطباعي. تذهب أحياناً إلى مدينة فينتابك شعور بأنك جئت تودعها. ولا يحتاج الأمر إلى زيارة لدمشق ليكتشف المرء أن الموت البطيء يغتالها من الوريد إلى الوريد.

على الشرفة في بيروت التي تتراجع وتنحسر وتتدهور، تفكر في المنطقة بأسرها. ضرب الخراب الكبير بيت الشرق الأوسط. سقطت أعمدة الاستقرار. كان يفترض أن يتعايش في هذا البيت العرب والفرس والأتراك والأكراد. لا تحتاج علاقة العرب بالفرس حالياً إلى شرح. إنهم يتقاتلون في أكثر من مكان. الوضع أسوأ مما كان عليه في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية. هكذا تسأل نفسك. أين حدود العرب مع الفرس؟ وإلى أين سيقود هذا الاستنزاف الكبير؟ وأيُّ الخرائط ستكون السباقة في السقوط؟ هذا لا يعني أبداً أن العلاقات التركية- العربية في أفضل حال. ففي «الربيع العربي» ساد اعتقاد بأن العرب يقيمون بين الفتوحات الإيرانية وأطماع السلطان التركي.

حاول المسؤولون الإيرانيون والأتراك على مدى سنوات إخفاء التنافس المحموم بين بلديهم. وحاولوا تحريك البيادق على الملاعب العربية، وتبادل الطعنات بالواسطة. العلاقات التركية - الكردية لا تحتاج إلى جهد للتفسير. تلاطف تركيا بعض الأكراد وتحارب بقسوة أكرادها. وتلاطف إيران بعض الأكراد وتلجم طموحات أكرادها. وبين اللاعبين الثلاثة يشعر العربي بأنه الأضعف وأنه اللاعب التائه. تدور المباريات الدموية على أرضه وتُسجَّل الأهداف بدمه.

انهارت أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط. المسألة أبعد من الفراغ الذي يتركه الانسحاب الأميركي من موقع القيادة... وأبعد من اندفاع الروسي لاسترداد موقع بلاده بذريعة محاربة «داعش»، وأبعد من «دولة البغدادي». إننا نسبح في مستنقع هائل. سقطت الحدود الدولية واخترقتها عصبيات موتورة وأعلام متناقضة. سقطت تجربة التعايش داخل الخرائط وبينها. سقطت الجيوش واتكأت على الميليشيات وحِرابها. ترقص البلدان عارية من المؤسسات الجامعة. سقطت الدساتير. اهترأ النسيج الوطني وساد منطق الطلاق. لا تسويات في الداخل ولا تفاهمات في الخارج... وفي الحالين استنزاف رهيب.

الخوف هو المواطن الأول في الشرق الأوسط. الأمن مهدّد. والخرائط في عهدة الرياح. والقدرات في فخ الاستنزاف. لا ينقذ الشرق الأوسط نفسه ولا يبدو العالم مهتماً بإنقاذه أو قادراً. إننا نسافر نحو الهاوية. موت بطيء يلتهم بيت الشرق الأوسط مبشِّراً بمزيد من الفقر والعنف والإرهاب والظلم والظلام.

الشرق الأوسط بيت رهيب تطايرت أعمدته. كلما زار الصحافي مدينة يشعر بأنه يودعها.

arabstoday

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 21:26 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

لا بدَّ من الشعر

GMT 21:21 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

تصنيف الإبياري... اللندني الإخواني

GMT 21:10 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

إيران و«تمثيل» مصالح العرب!

GMT 21:08 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

هرمزة هرمز

GMT 21:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

مارشيلو الأب والابنة

GMT 21:02 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

عودة حرب النجوم بنسختها النووية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هذا الموت البطيء هذا الموت البطيء



الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 18:02 2019 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

الترجي التونسي يفوز على ضيفه شبيبة القبائل الجزائري

GMT 19:54 2019 الخميس ,04 تموز / يوليو

9 فساتين زفاف دخلت التاريخ لجمالها وأناقتها

GMT 08:34 2021 الخميس ,11 شباط / فبراير

الذهب يسجل تراجعًا بفعل تعافي الدولار

GMT 09:57 2020 الخميس ,09 إبريل / نيسان

فيلم قصير يجمع أميتاب باتشان بنجوم بوليوود

GMT 14:30 2019 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

النقّاز يكشف أسباب رحيله عن الزمالك وسبب البقاء في القاهرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon