الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم
أخر الأخبار

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

 السعودية اليوم -

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

الصُّورةُ التي نشرَها على منصتِه «تروث سوشال» بالغةُ الدّلالات. يظهرُ دونالد ترمب في الصُّورة ملتفّاً بالعلمِ الأميركي حاملاً على كتفيه مجسّماً للكرةِ الأرضية. والصُّور أكثرُ بلاغةً من الكلام. والرّسالةُ واضحة. يعتبر صاحبُ الصورةِ نفسَه حاملاً أعباءِ الكرةِ الأرضية بِرُمَّتِها وليس فقط أميركا التي أعادَ إليها عظمتَها بعدمَا كادت تندثر على يدِ أسلافه وفقاً لأقوالِه ومبالغاته.

في الكرةِ الضَّخمة التي حملَها على كتفيه دولٌ وحروبٌ ونزاعاتٌ مريرةٌ واقتصاداتٌ مترنّحةٌ وجموعٌ من اللاجئين والجياعِ والدول المتصدعةِ وأخرى لا تكفُّ عن شحذ أظافرِها للإمساك بمصيرِ جيرانها. وكأنَّه أرادَ القولَ إنَّ كلَّ ملفات هذا العالمِ أُلقيت على عاتق رجلٍ واحد. الرَّجلُ الجالسُ في المكتبِ البيضاوي يقلقُه إفلاتُ الأيام من بين أصابعِه ويحلمُ بالتمدّد في كتبِ التاريخ وعلى صدرِه أوسمةٌ كثيرةٌ في طليعتها جائزةُ نوبل للسلام.

القصةُ ليست بسيطةً. رجلٌ يتفرَّد بقيادة بلدٍ عملاق يتفرَّدُ بقيادة العالم. يطفئُ حريقاً هنَا ويمنع امتدادَ النار هناك. ثم تطلُّ الصُّورة. كبيرُ الإطفائيين في هذه الكرةِ المحمومة وهو يقصدُ أنَّه الإطفائي الوحيد. لا يتردَّد في إحصاءِ الحروب التي أوقفها أو منعَ اندلاعَها. ليس من المبالغةِ اتّهامُ الرجل بالمبالغات لكنَّه الواقع. لا يمكن حياكة أي اتفاقٍ كبيرٍ من دون هذا الخيطِ الأميركي الصَّعب، سواء أحببنَاه أم كرهنَاه. لم نشاهدْ صورةَ لفلاديمير بوتين ملتفّاً بالعلمِ الروسي وحاملاً الكرةَ الأرضية على كتفيه. لم نشاهدْه حتى يحملُ مجسماً للاتحاد السوفياتي مطالباً باستعادتِه إلى الواقع من نومه العميقِ في متاحف التاريخ.

نادراً ما يجرؤُ زعيمُ دولةٍ كبرى على شخصنة السياساتِ والخيارات إلى هذا الحدّ. لهذا يعيش العالمُ على توقيت السَّيد الرئيس وأسلوبِ السَّيد الرئيس ومزاجِ السَّيد الرئيس. يجلس محاطاً بكبار معاونيه فيتبارونَ في امتداحه وينسبونَ إليه كلَّ فضيلة وإنجاز. هذا المشهدُ نادرٌ في الديمقراطيات الغربية. المشهدُ يذكّرُ بمدائحِ أعضاءِ القيادة القطرية إذا أُعطوا فرصةَ التَّحدثِ بين يدي صدام حسين. لم نشاهدْ أيضاً صورةً لإمبراطور الصين ملتفّاً بعلم بلادِه مطالباً بالفوز بكأس زعامةِ العالم. مطالبُه الحاسمةُ تقتصر على إعادةِ تايوان إلى الحضنِ الصيني ومن حسنِ حظّ العالم أنَّ صبرَه لم ينفد بعد.

الرئيسُ ترمب رجلٌ قوي. زعيمٌ قويٌّ لأقوى بلد في العالم. لهذا يقدّمُ نفسَه في صورةِ كبير الأطباء في مستشفى «القرية الكونية». يستقبلُ المناطقَ المريضة أو الملفاتِ المزمنة أو يستدعيها ثم يعلنُ نجاحَ العلاجِ وتكون الصُّورة. لكنَّ العالمَ شديدُ التعقيد. لا تكفي لشفاءِ أمراضِه دبلوماسيةُ الصدمات. ودبلوماسيةُ الهاتف. والمصافحاتُ الحارَّة. والتربيتُ على الأكتاف أو الأيدي.

علاجُ الأمراض المزمنةٍ يستلزم تشخيصاً دقيقاً. والالتفات الحذر إلى صحةِ المريضِ وصحة جيرانه. ولا بدَّ من التأمل. والتبصّر. ومعرفةِ تاريخ المريض والمرض. والحرصِ على ألا تساهمَ المراهمُ في التهاب الحروق. وألا تكونَ للمسكناتِ عوارضُ جانبية. وألا تتزايدَ التقرّحاتُ تحت وطأة الضمادات الاحتفالية. الحلولُ مسألةٌ شائكة. وبعضُ المناطقِ مصابٌ بوطأة الجغرافيا أو لعنةِ التَّاريخ أو اجتماع المصيبتين.

هذا هو ترمب. ولا خيارَ للعالم غيرُ التَّعامل معه أو التَّعايش. يقدّمُ نفسه في صورة كبير الهدَّافين. كأنَّه أبرعُ من ميسي ومبابي ورونالدو. لكنَّ ملعبَ الكرةِ الأرضية مختلفٌ عن ملعبِ كرة القدم. الأقوياءُ لا يحترمونَ قوانين اللعبة. والقسوةُ تقليدٌ والوحشيةُ واردة. واللعبةُ تدارُ بلا رحمة. والطعناتُ تستهدف سيادةَ الدولِ واستقرارَها واقتصادَها وحدودَها إن لم تصل إلى حدّ تهديدِ الوجود. وفي هذه اللعبة لا يكفي هزُّ شباكِ الخَصم. لا بدَّ من وقفِ اللعبة القاتلةِ وإعادةِ الملعبِ إلى عباءة القانونِ الدوليّ واحترامِ الحقوق والتعايش وإرساءِ قواعد الاعترافِ بالآخر. إنَّ بناءَ الجسورِ أهمُّ بكثيرٍ من هزّ الشباك.

رحبتْ دولٌ قريبةٌ وبعيدةٌ بمذكّرةِ التَّفاهمِ الَّتِي منعتِ انزلاقَ أميركا وإسرائيل وإيران إلى فصلٍ مدمرٍ من الحرب. يؤكد ترمب أنَّ إيرانَ تعهَّدت أنَّها لن تحصلَ أبداً على سلاح نووي. هذه النتيجةُ مهمةٌ بالتأكيد. لكنَّ القاصيَ والدَّانيَ يعرف أنَّ الموضوعَ النوويَّ ليس الموضوعَ الوحيد. هناك السُّلوكُ الإقليميُّ لطهران. وترسانتُها الصَّاروخيةُ ومسيراتُها التي كانت تستهدفُ أمس بالذات دولاً عربيةً مجاورة. هناك نهجُ زعزعةِ الاستقرار و«الجيوش الموازية» ودخول الدول من غير أبوابِها الشَّرعية. وهناك قبل ذلك كلّه حريةُ الملاحةِ في مضيق هرمزَ وسلامة الاقتصاد العالمي.

بعد توقيعِ المذكرةِ تصرَّفت طهرانُ وكأنَّها تلقَّت أو انتزعت هديةً كبرى في مقابلِ التَّنازلِ في الموضوع النووي. تتصرَّفُ كأنَّها انتزعت مفتاحَ المضيق وجعلته العمودَ الفقريَّ لترسانتِها في المرحلةِ المقبلة. كلامُ الجيشِ الإيراني البارحةَ يستحقُّ التَّوقفَ عنده. قالَ إنَّ «سيطرتَنا على مضيق هرمزَ يمكن أن تشكلَّ آليةً أمنيةً تؤدي إلى إخراجِ أميركا من المنطقة». الإصرارُ على احتكارِ مفتاح هرمزَ قد يتحوَّلُ سلاحاً أخطرَ من تحريك «الأذرع». ربطُ تدفُّقِ البضائع بمزاجِ السياسة الإيرانية مشكلةٌ لا قدرةَ للعالم على احتمالِها ولا قدرةَ لدول المنطقة على التَّعايش معها. أيُّ تسليمٍ لإيرانَ بحقّ حيازة مفتاحِ المضيقِ بعيداً من قوانين البحار والمضائق يعطيهَا سلاحاً حاسماً في معركتِها المزمنةِ للفوز بكأسِ الإقليم، أي بزعامته.

من حقّ أيِّ دولةٍ أن تنافسَ على كأسِ الإقليم وزعامتِه بنموذجِ تقدُّمٍ جاذبٍ للازدهار الاقتصادي والتقدم التكنولوجي وتعميق التعاون لكنَّ المنافسةَ بسلاحِ المضيق تضعُ دولَ الإقليم أمامَ خياراتٍ صعبة، أوَّلُها الاستعدادُ لأيامٍ أصعبَ من تلك التي عَبرت.

 

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon