التطرف وباء «القرية الكونية»
أخر الأخبار

التطرف وباء «القرية الكونية»

التطرف وباء «القرية الكونية»

 السعودية اليوم -

التطرف وباء «القرية الكونية»

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

لم تعدِ الحروب تدور على مسارحها المباشرة فقط. منحتها وسائل التواصل فرصة التسلل إلى أماكنَ بعيدة. يكفي أن يلتفت شخص إلى هاتفه في قارة بعيدة ليتابع مجريات مجزرة تدور على بعد آلاف الكيلومترات. ولم تعد الكراهيات أسيرة منابع تفجرها الأصلية. يمكنها الانتقال سريعاً إلى من هو مستعد لتلقيها في أماكن قصية. وهكذا بات العالم ينقسم سريعاً حول أحداث كان في السابق لا يستطيع مشاهدتها مباشرة ولا يعتبر نفسه معنياً بأهوالها.

بالصوت والصورة يستطيع سكان «القرية الكونية» متابعة الكشف عن مقبرة جماعية، خلّفها نظامٌ مستبد. في السابق كان الأمر يقتصر على إهالة التراب على مكان الجريمة. أو يقتصر الأمر على خبر في صحيفة محلية. ولم يكن من شأن التوتر الذي يثيره المشهد أن يسافر ويعبر الحدود ويقيم في مشاعر بعيدين وذاكرتهم.

ولا نضيف جديداً إن قلنا إن العالم الذي شهد في العقود الأخيرة ثورات علمية وتكنولوجية متلاحقة ضاعفت قدرات الإنسان، لم يشهد في موازاة ذلك تقدماً إنسانياً حاسماً في كبح الكراهيات وشهوات القتل والإلغاء.

التطرف وباء أخطر من كل الأوبئة التي شهدها العالم. عدد ضحاياه يفوق عدد ضحاياها. والتطرف ليس حكراً على فئة أو لون أو معتقد. ويمكن أن يبلغ التطرف حدّه الأقصى حين يتحوّل رغبة عارمة في شطب الآخر لأنه مختلف، أو يقرأ في كتاب آخر أو يشرب من ينابيع غير مشابهة.

حاول العالم محاصرة هذا الوباء. أنشأ المحاكم ومنظمات تسوية النزاعات وشدّد على الاحتكام إلى القانون. لكن على رغم هذه الجهود راح التطرف يتوكأ على نزاعات مزمنة أو ظلم قديم. انطلق أيضاً من أزمات هوية أو خوف على الوجود واللون. وربما يشير ذلك إلى شيء من الفشل في نهوض التعليم نفسه بإنسانية الإنسان بالقدر الكافي، ويشير أيضاً إلى غياب ثورة ثقافية شاملة تحرم قتل الأبرياء واستباحة دمهم.

انشغل العالم أمس بمجريات الهجوم الإرهابي الذي وقع في سيدني. كان استهداف مدنيين تجمعوا في مناسبة دينية يهودية عملاً مروعاً. شاهد الناس في أماكن قريبة وبعيدة الجثث المتناثرة وذعر الفارين.

لا يمكن فصل ما جرى في سيدني عن مشاعر الغضب التي تراكمت بفعل الممارسات الوحشية للجيش الإسرائيلي في أعقاب اندلاع «طوفان الأقصى». شاهد الناس عمليات قتل بلا حدود وعمليات فتك غير مسبوقة. عشرات آلاف القتلى. وطائرات تعمم الخراب وتدفع جموعاً بشرية إلى العراء والخيام. كانت المشاهد اليومية قاسية وصادمة ومثيرة للمرارة والاحتقان. لكن قول ذلك لا يعني أبداً أي تبرير لاستهداف مدنيين وقتلهم بطريقة وحشية.

ضاعف توقيت العمل الإرهابي في سيدني من خطورته. جاء في وقت ينتظر فيه أهل الشرق الأوسط أن يستقبل دونالد ترمب قبل نهاية الشهر الحالي بنيامين نتنياهو. يراهنون على أن يتمكن سيد البيت الأبيض من إقناع الزائر أو إرغامه على تسهيل الانتقال نحو المرحلة الثانية من الاتفاق الذي أوقف الحرب في غزة.

جاء الهجوم أيضاً بعد أسابيع من يقظة دولية واسعة ترجمت باعتراف شبه جماعي بدولة فلسطين ما شكل نجاحاً دبلوماسياً غير مسبوق يعد بتسوية النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على قاعدة حل الدولتين. تقدمت دول كثيرة وبينها أستراليا نفسها خطوة إلى الأمام، واعتبرت أن لا مخرج من النزاع الطويل والمرير غير الإقرار بحق الفلسطينيين في العيش في دولة مستقلة.

وجاء الهجوم في وقت استيقظت فيه دول وهيئات ومنظمات من غيبوبة أو غياب ورفضت تصديق صورة إسرائيل الضحية بعدما تبين حجم الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني.

أخطر ما في الهجوم هو مساهمته في إعادة الكلام عن الممارسات المعادية للسامية. ومساهمته أيضاً في مساعدة حكومة نتنياهو على العودة إلى لبس ثياب الضحية، والقول إن إسرائيل وحدها هي الملاذ الآمن لليهود المستهدفين في بقاع العالم. ولحكومة نتنياهو تاريخ من البراعة في استغلال أي حدث من هذا النوع. وخير دليل مسارعة مسؤولين إسرائيليين إلى الربط بين ما جرى في سيدني واعتراف الحكومة الأسترالية بدولة فلسطين.

التطرف كامن وحاضر ويستعد دائماً للانقضاض. قبل يوم واحد من هجوم سيدني شهدت تدمر السورية هجوماً بالغ الدلالات استهدف عسكريين أميركيين وسوريين. أعاد الهجوم التذكير بأن تنظيم «داعش» انحسر لكنه لم يمت. «داعش» أو ما يشبهه ويغرف من قاموسه. ولفت الحادث إلى أن عملية بناء سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لن تكون رحلة سهلة على الإطلاق، وأنها ستشهد بالتأكيد مواجهات قاسية مع متطرفين ومع الفكر المتطرف.

منذ عقود يدفع الشرق الأوسط ثمن الظلم الفادح وممارسات الشطب والإلغاء والإقصاء. أضاعت دوله وشعوبه عقوداً من عمرها. أضاعت فرص التقدم والبناء والالتحاق بالعصر. لا حل للخروج من لعبة الظلم والتطرف والقتل غير الإصرار على التقدم نحو السلام العادل. لا خيار غير بناء دولة القانون والمؤسسات واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وكرامته. ولا خيار غير محاصرة فكر التطرف ورفض أي تبرير لسلوكه ووحشيته. اتكأ التطرف طويلاً على حالات الظلم وتغطى بها لتبرير وجوده واستمراره وانتشاره. استئصال التطرف يبدأ بإزالة الظلم اللاحق بشعوب ومجموعات وأفراد. لا يبنى السلام إلا على العدالة والمساواة أمام القانون.

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التطرف وباء «القرية الكونية» التطرف وباء «القرية الكونية»



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon