الشـفـرة

الشـفـرة؟!

الشـفـرة؟!

 السعودية اليوم -

الشـفـرة

حسن البطل

"اليقظة التي في النوم، والنوم الذي في اليقظة". من القائل؟ أنا أقتبس العبارة، ولا أنسبها إلى قائلها. ابن عربي؟ النفّري؟ التوحيدي. أخلط بين عبارات هؤلاء، وبين صوفي ومعتزلي. لكنني، قبل ثلاثين عاماً، استيقظت من نومي. "اليقظة التي في النوم، والنوم الذي في اليقظة" منعني الاستيقاظ من الانتحار ليلتين في اسبوع. كيف دفعني "اللاوعي" الى الإمساك بشفرة حلاقة تقليدية بأصابع يدي اليمين، ومحاولة قطع شرايين يدي، بين الكف والساعد؟ من أين التقطت الشفرة؟ هل سرت اليها كما يسير النائم "في النوم الذي في اليقظة"؟ جالساً على طرف السرير وفي أصابع يمناي شفرة، وأصابع كف يسراي مضمومة بتشنج. كيف أيقظني الوعي من اللاوعي .. فأخزيت عين شيطان اللاوعي؟ يقولون: الشيطان دفعك للموت انتحاراً، او يقولون: الشيطان منعك من تلاوة القرآن! اذن، سرتُ نائماً باللاوعي. حررت شفرة الحلاقة من جرابها الورقي المزدوج. جلست على طرف السرير المفرد (سفري) في غرفة لا يشاركني فيها أحد .. ثم استيقظت! هل اصفرّ وجهي؟ لم أنظر في مرآة. هل زاد وجيب قلبي؟ نسيت. ماذا فعلت؟ رميت شفرة الحلاقة، كيفما اتفق، بين رفوف خزانة ملأى بالكؤوس والصحون والصواني ونمت..! قلت مرتين في ليلتين خلال أسبوع، إذ في المرة الثانية أيقظني وعيي عن محاولة ثانية لا واعية .. وكنت مستلقيا، وذراعاي مرفوعتان بتشنج، والشفرة بين أصابع يمناي. كيف وجدت الشفرة الحقيرة بين رفوف الخزانة؟ هل رأيتها نائماً، وسرت إليها نائماً، والتقطتها نائماً؟ لم أخبر أحداً، ولا بالذات أمي، عن كابوس مزدوج، نصفه في اللاوعي، ونصفه في الوعي. كل ما فعلته أنني التقطت بنطالي، والتقطت من جيبه الخلفي حافظة الأوراق والنقود، ودسست الشفرة بين جيوب الحافظة. هل تصدقونني؟ مرّت ثلاثون سنة أُخرى، بعد ثلاثين سنة، وثمة شفرة حلاقة لها مكانها بين جيوب حافظة النقود. سأهزم شيطان اللاوعي بعقلي الإنساني الواعي. ثلاثون سنة لم تتكرر محاولة الانتحار اللاوعية مرة ثالثة، وخلالها كنت استعمل الشفرة في مآرب أخرى، لعود الثقاب مآرب اخرى غير الاحتراق، ملموس ايضاً، للخيط لسلك الكهرباء .. وحتى للحذاء..الخ! عندما رويت القصة لاصدقاء هذا العام كذّبوني، لكن ابرزت لهم شفرة حلاقة بين جيوب الحافظة فهي لا تكذب. تنام بجرابها الورقي بين بطاقات الصراف الآلي و"كرت" عداد الكهرباء، وبطاقات الصحافة .. وصور جواز السفر..الخ! هكذا، تحديت شيطان اللاوعي وقهرته بالوعي .. لكنني، خلال النصف الثاني من عمري، راودتني فكرة الانتحار مرّتين وأنا في وعيي. مرّة كنت بلا نوم أياماً، موقوفاً في مطار خلدة اللبناني عام ١٩٦٥، بعد هبوط اضطراري لطائرة P.A الباكستانية. المسافرون امتطوا طائرات أخرى، وأخي وأنا بقينا في "التوقيف" لأننا نحمل وثائق سفر للاجئين الفلسطينيين في سورية لا يجوز لهم دخول لبنان، أو أن أخي البارز في الحزب السوري كان ممنوعاً من دخول لبنان بعد محاولة الحزب للانقلاب. ممنوع السفر براً من بيروت لدمشق، وعلينا انتظار طائرة من طراز DC4 قادمة من حلب وعائدة الى حلب تقل في عودتها مسافرين اثنين. لامني أخي إذ عاملت المضيفة بفظاظة تصدر عن شاب أمضى ليلتين على كرسي. اندفعت الى باب الطائرة محاولاً فتحه، وإلقاء نفسي من علو في البحر. مرّت المضيفة ضاحكة وقالت: "التواليت هناك". الى الآن، أشعر بخدر في ساقي كلما وقفت على مرتفع شاهق ونظرت الى الأسفل. وفي المرة الثانية؟ تعرفون أن مخدرات معينة تجعل المتعاطي يتوهم أنه طير بجناحين. لم أتناول أي مخدر في حياتي سوى البنج الطبي.. لكن سهرة منتصف ليلة عام جديد، كانت أرملة المغدور كمال خير بك، عميد الدفاع في الحزب السوري القومي، تسهر معنا في بيت الشاعر أدونيس. كانت ترتدي الأسود، وتلتحف بشال ابيض، ترقص رقصة الثكلى وتغني أغاني الفراق. أوصلناها الى بيتها أول الفجر. دعتنا الى كأس أخيرة. رقصت وغنت. شعرت أنني طير. خرجت الى الشرفة، وراودتني فكرة الوثب منها. هممت بالوثب. جاءت زوجتي: "حانت ساعة الانصراف". أربع محاولات انتحار. مرتان هزم الوعي اللاوعي "اليقظة" التي في النوم. مرتان هزم الوعي اللاوعي "النوم الذي في اليقظة". الشفرة تبقى في حافظتي. أحياناً أرفعها قبل سفرة جوية. أحياناً أنسى وترافقني في السفر. شاعر قديم قال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة .. لفسد!

arabstoday

GMT 16:39 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 16:37 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 16:35 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 16:33 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 16:32 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 16:28 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 16:27 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشـفـرة الشـفـرة



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon