حالة وفاة

"حالة وفاة"

"حالة وفاة"

 السعودية اليوم -

حالة وفاة

عريب الرنتاوي

يكفي أن تقول "عنّا حالة وفاة"، حتى تُسقِطَ عن نفسك اللائمة لخرق أي التزام، والتخلف عن أي موعد، أو إدارة الظهر لكل عهد قطعته على نفسك، حتى لو كانت كلفة التملص من الالتزام باهظة على الطرف الآخر، ومحرجة له. ذات، كنا على موعد مع مؤتمر إقليمي في اسطنبول، يومها اصطحبنا عدداً من الكتاب والمثقفين للإدلاء بدلائهم، ولقد بعثنا بأسمائهم وسيرهم الذاتيه وعناوين مداخلاتهم، وأدرجنا مع شركائنا هناك كل هذه المعلومات في "برنامج عمل المؤتمر" و"الوثيقة التعريفية بالمشاركين"..حُجِزت المقاعد و"قُطِعت" التذاكر، واستؤجرت الغرف في الفندق..أحدهم قبل ثلاث ساعات من الرحلة اعتذر لأن "حالة وفاة" قد وقعت في العائلة..أما الثاني فلم يكلف نفسه عناء الاعتذار، لنعرف بعد عودتنا، أنه هو الآخر واجه "حالة وفاة"، لا أراكم الله مكروهاً بعزيز. قبل أيام، كنّا على موعد مع ثلاثين نائباً للذهاب إلى البحر الميت لتبادل خبرات برلمانية مع زملاء وأشقاء من المغرب وتركيا..عشرون فقط أكملوا مشوارهم..بعضهم اعتذر مسبقاً بسبب "حالة الوفاة"..ومن تغيب من دون معذرة، عرفنا لاحقاً أنهم يمرون بتداعيات "حالة وفاة"..بقيت غرفهم في الفندق فارغة، يصفر الريح بين جنباتها، وظلت أسماؤهم و"باجاتهم" على المنضدة الجانبية للمؤتمر، من دون أن يتسلمها أحد. في تجوالنا بمحافظات المملكة المختلفة، طوال السنوات الماضية، تعرضنا لغيابات مفاجئة متعددة، لكتاب وسياسيين وقادة أحزاب ومثقفين..دائما كانت الحجة "حالة وفاة"..حتى أننا بتنا نعرف ما الذي سيقوله ضيفنا المُتغيب من دون معذرة، وفي تسعين بالمائة من الحالات، كنّا على صواب في استنتاجاتنا: "حالة وفاة"، لدرجة أن أحد الزملاء تساءل ذات يوم: "لماذا لا يتوفى الأردنيون إلا قبيل لحظات من ندوة هنا أو مؤتمر هناك؟..هل هو من سؤ طالع الضيوف أم من سؤ حظ الأنشطة التي ينتوون المشاركة فيها؟..هل هو سبب حقيقي، أم ذريعة نتغطى بها للتخلص من "حرج" المشاركة في الأنشطة العامة؟..هل بلغ الأردنيون حد الإشباع من "العمل العام"، إن كان الحال كذلك، لماذا نلحظ "تواضعاً" في مستوى وسوية العمل العام، أقله من الناحية السياسية والفكرية والمعرفية؟. ولكي لا نظلم النشطاء والسياسيين والنواب وقادة الرأي، يتعين علينا أن نعترف بأن "كلفة" العلاقات العامة، على من يعمل في العمل العام، تبدو مرتفعة جداً ومرهقة للغاية، في مجتمع صغير وعشائري..أذكر ذات يوم في مكتب الصديق الدكتور ممدوح العبادي، أنه تلقى خلال نصف ساعة فقط، قضيتها معه، ثلاث دعوات لـ"جاهات كريمة"، فضلاً عن تذكيره بأكثر من "واجب عزاء" يتعين عليه القيام به"، فهناك دائماً من لديه "حالة وفاة". من يتتبع تكرار "حالات الوفاة" يظن أن الوضع الصحي في الأردن في تدهور مستمر، مع أن متوسط أعمارنا في ارتفاع، وخدماتنا الصحية والطبية في انتشار، والأطفال لم يعودوا يتوفون في سنٍ مبكرة، والنساء نجون من حالات الوفاة أثناء الولادة..ومع ذلك، لا يكاد ينقضي "مؤتمر" أو "ندوة" من دون أن يسجل "حالة وفاة"..هل يذهب الأردنيون جميعاً إلى "حالة الوفاة"؟..أم أن كثيرٍ من حالات الوفاة هذه، هي "افتراضية"، ويجري التذرع بها للتملص من التزام، أو للغياب عن نشاط. صار من السهل علينا، نحن خبراء "حالات الوفاة" أن نميز بين الحقيقي منها و"الافتراضي"..فعندما يقول لك شخص أن أبي أو أخي أو أمي توفاه (أو توفاها) الله، تدرك أن الرجل صادق فيما يقول، وتنتقل مباشرة إلى تقديم واجب العزاء، بل والاعتذار عن الدعوة أو التذكير أو الإلحاح..أما عندما يكتفي بعبارة "عنّا حالة وفاة"، فإنت تعرف أنها من باب "لزوم ما لا يلزم"، فلا تكلف نفسك عناء السؤال عن المُتوفي أو "أخذ خاطر" محدثك. لدينا عزوف عن العمل العام، وهي مشكلة لا تتصل بالشباب والنساء والفئات والمناطق المهمشة فحسب، بل هي مشكلة النخبة والطبقة السياسية والثقافية والفكرية في البلاد..لذا نسمع الكثير من الجعجعة ولا نرى سوى القليل من الطحين. نقلا عن موقع القدس للدراسات السياسية

arabstoday

GMT 20:54 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 20:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 20:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 20:35 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 20:28 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 20:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 20:20 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

GMT 21:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حالة وفاة حالة وفاة



صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي - السعودية اليوم

GMT 19:29 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز اهتمامات الصحف الفلسطينية الصادرة الاثنين

GMT 18:53 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

تعرف على سعر سيارة هوندا بايلوت موديل 2018

GMT 02:19 2018 الخميس ,27 كانون الأول / ديسمبر

جوجل تطلق تحديث جديد لتطبيق Google Photos

GMT 19:53 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

مدرب الهلال يكشف اسباب صعوبة ديربي جدة

GMT 17:04 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

رياض محرز ينقطع عن ليستر لأجل غير مسمى

GMT 10:41 2014 الإثنين ,17 شباط / فبراير

عطر "هيرا" يغمر شعرك بالحماية والترطيب

GMT 13:56 2014 الخميس ,23 كانون الثاني / يناير

مانولو بلانيك في أسبوع "نيويورك"

GMT 21:31 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

سميحة أيوب تحل ضيفة على مشروع "الملهم"

GMT 13:02 2017 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

طريقة سهلة لإعداد بسكويت جوز الهند الهش

GMT 05:03 2014 الخميس ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

العطس داخل الطائرات يتسبب في انتشار الأمراض المعدية

GMT 09:41 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

مواد بناء بديلة من المخلفات أوائل 2013 في مصر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon